أقول : لمّا فرغ من ذكر الطرق التي زعم القايسون أنّها دالّة على كون الوصف علّة للحكم شرع في ذكر الطرق الدالّة على نقيض ذلك والانفصال عنها ، وهي المستعملة بين الجدليّين وهي أربعة : النقض ، وعدم التأثير ، والقلب ، والقول بالموجب .
الأوّل : النقض ، وهو عبارة عن وجود الوصف المدّعى كونه علّةً للحكم ، منفكّاً عن ذلك الحكم . مثاله قول الشافعي في مسألة زكاة الحليّ : مالٌ غير نامٍ فلا زكاة ، كثياب البذلة « 1 » . فيقول المعترض : ينتقض بالحليّ المحرّم ؛ فإنّه مالٌ غير نامٍ مع وجوب الزكاة ، فقد تخلّف الحكم عن العلّة ، فلا يكون عدم نمائه علّةً في سقوط الزكاة .
وقد اختلف في ذلك فزعم قوم : أنّه لا يقدح في علّة الوصف مطلقاً ، أي سواء كانت العلّة منصوصةً أو مستنبطةً ، وهذا مذهب أكثر أصحاب أبي حنيفة ومالك وأحمد « 2 » .
وقال آخرون : إنّه يقدح مطلقاً « 3 » .
وفصّل قوم فقالوا : إن كانت علّيّة الوصف قد ثبت بالنصّ لم يقدح التخصيص فيها ، وإن كانت مستنبطةً قدح « 4 » ، كما في تعليل إيجاب القصاص بالقتل العمد العدوان ، وتخلّفه عند المانع كالأُبوّة .
واختار المصنّف أنّه يقدح في علّيّة المستنبطة على تقدير إفادة الاستنباط العلّيّة دون المنصوصة ، وهو الحقّ .
أمّا الأوّل ؛ فلأنّ ذلك الوصف إمّا أن يعتبر في اقتضائه ذلك الحكم انتفاء المعارض أو لا يعتبر .
فإن كان الأوّل لم يكن الوصف بمجرّده تمام العلّة ، بل يكون جزءاً منها ، والجزء الآخر انتفاء المعارض .
وإن لم يعتبر كان الحكم لازماً لذلك الوصف في كلّ صور وجوده ، وحينئذٍ
هامش
( 1 ) . راجع المدوّنة الكبرى ، ج 1 ، ص 245 .
( 2 و 3 و 4 ) . حكاه عنهم السبكي في الإبهاج في شرح المنهاج ، ج 3 ، ص 92 - 93 .