تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 ) — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
واعلم أنّ للمناسبة أقساماً أُخرى ينقسم إليها بالنظر إلى اعتبار الشارع الغاية والغاية يأتي ذكرها . إذا تقرّر هذا فاعلم أنّ القائلين بكون القياس حجّةً مطلقاً ذهبوا إلى أنّ المناسبة والاعتبار يدلّ على أنّ كون ذلك الوصف - أعني المناسب - المعتبر شرعاً علّةً للحكم المقترن به ؛ لأنّه تعالى شرّع الأحكام لمصالح العباد ، وهذا الفعل مشتمل على هذه المصلحة ، فيحصل ظنّ الباعث له تعالى على شرع هذا الحكم . أمّا المقدّمة الأُولى ؛ فلأ نّه تعالى خصّص الواقعة المخصوصة بالحكم المعيّن لمرجّح ؛ لاستحالة ترجيح أحد المتساويين على الآخر إلّالمرجّح ، وليس عائد إليه تعالى وفاقاً ، فهو عائد إلى العبد ، وليس مفسدة له ، ولا ما ليس بمصلحة ولا مفسدة إجماعاً ، فتعيّن كونه لمصلحة العبد . وأمّا الثانية : وهي اشتمال الفعل على هذه المصلحة فظاهر ؛ لأنّا إنّما نحكم بعلّيّة الوصف إذا عرفنا أنّه كذلك . وأمّا الثالثة : وهي حصول الظنّ حينئذٍ ؛ فإنّ الباعث له تعالى على شرع الحكم تلك المصلحة ؛ فلأ نّه لو كان أمراً مغايراً لها لكان ذلك الأمر إمّا حاصلًا في الأزل ، فيلزم كون الحكم ثابتاً فيه وهو محال ، وإلّا لكان المكلّف أزليّاً ؛ لاستحالة التكليف من دون مكلّف ، وإمّا غير حاصل فيه ، فيتحقّق ظنّ استمراره على العدم ؛ لما يأتي من الاستصحاب . والجواب : أنّ ما ذكروه لا يتمشّى على أُصولهم . أمّا الأشاعرة ؛ فلأنّ مذهبهم أنّ أفعال الله تعالى غير معلّلة بالأغراض والغايات ، وحينئذٍ لا يكون شرع الأحكام لأجل مصالح العباد عندهم ، ولا يحصل ظنّ كون المصلحة التي اشتمل عليها الفعل باعثاً على شرع حكمه ، ولأنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى عندهم ، مع اشتمالها على الكفر ، والظلم ، والعبث ، والعصيان المسلوب عنها المصلحة ، فكيف يكون أفعاله تابعة لمصالح العباد ؟ ! وأمّا المعتزلة ؛ فلأنّ عندهم أنّ الترجيح من غير مرجّح جائز ، وحينئذٍ لا يحتاج شرع الحكم إلى علّة أصلًا ، بل يجوز تخصيص الواقعة المعيّنة بالحكم المخصوص ،