مضرّة ، وإبقاؤه دفع لتلك المضرّة ، وكلّ واحد من التحصيل والإبقاء قد يكون معلوماً ، وقد يكون مظنوناً ، وعلى التقديرين فقد يكون دينيّاً ، وقد يكون دنيويّاً ، والمنفعة : اللذّة ، أو ما يكون وسيلةً إليها ، والمضرّة : الألم ، أو ما يؤدّي إليه .
وعُرّفت اللذّة بإدراك الملائم ، والألم بإدراك المنافي .
والحقّ أنّهما غنيّان عن التعريف ؛ لكونهما من الوجدانيّات . فإنّ كلّ عاقل يدرك بالضرورة التفرقة بينهما ، وبين كلّ واحدٍ منهما ، وبين غيره من الأعراض النفسانيّة ، وذلك أظهر من كلّ ما يعرف به ، وكان ينبغي تقييد ما يفضي إلى ما يوافق الغرض تحصيلًا أو إبقاءً بقولنا : على أقرب الوجوه الممكنة للعادة ، بحيث يخرج من التعريف سلوك أبعد الطريقين ؛ لتحصيل القرب مثلًا ، مع إمكان سلوك الأقرب ، فإنّه ليس مناسباً مع شمول التعريف له من دون القيد المذكور ، ويخرج الإسراع والعَدو في ذلك الفرض الخارج عن العادة ؛ فإنّه ليس مناسباً .
ثانيهما : إنّه الملائم لأفعال العقلاء في العادات ، فيقال : هذه اللؤلؤة مناسبة لهذه اللؤلؤة ، لملائمة جمعهما في سلك واحد عادةً .
وهذا التعريف لمن لم يقل بتعليل أحكام الله بالحكم والمصالح ، والتعريف الأوّل لمن قال بذلك .
وأمّا أقسامه ؛ فاعلم أنّ المناسب قد يكون حقيقيّاً ، وقد يكون إقناعيّاً .
والحقيقي يكون لمصلحة تتعلّق بالدنيا تارةً ، وبالآخرة تارةً أُخرى .
فالأوّل على أقسام ثلاثة :
الأوّل : أن يكون رعاية تلك المصلحة في محلّ الضرورة ، وهي المتضمّنة لحفظ أحد المقاصد الخمسة : النفس ، والمال ، والعقل ، والدين ، والنسب .
فإنّ النفس محفوظة بشرع القصاص . قال الله تعالى :
« وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ »
« 1 » .
والمال بشرع الضمان والحدود ، كحدّ السرقة والمحارب .
والنسب بشرع الزواجر عن الزنى ، كالجلد والرجم ؛ إذ المزاحمة على الأبضاع
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 179 .