فقال جماعة باشتراطه « 1 » ، ومنعه الغزالي « 2 » وجماعة « 3 » ، واختاره المصنّف .
احتجّ الأوّلون بأنّ الغالب في تصرّفات الشارع أن يكون على وفق تصرّفات العقلاء وأهل العرف ، ولو قال الواحد من أهل العرف : أكرم الجاهل ، واستخفّ بالعالم قضى كلّ عاقل أنّه لم يأمر بإكرام الجاهل لجهله ، ولا باستخفاف العالم لعلمه ، وأنّ ذلك لا يصلح للتعليل ؛ نظراً إلى تصرّفات العقلاء التي لا تتعدّى مسالك الحكمة وقضايا العقل ؛ فإنّ الفقهاء اتّفقوا على امتناع خلوّ الأحكام الشرعيّة من الحِكَم ، إمّا على طريق الوجوب ، كما هو مذهب المعتزلة « 4 » أو بحكم الاتّفاق ، كما هو رأي الأشاعرة « 5 » ، سواء ظهرت الحكمة أو لم تظهر .
واحتجّ الآخرون بأ نّه يقبح عرفاً أن يقال : أكرم الجاهل ، واستخفّ بالعالم ، ولا علّة لهذا الاستقباح إلّاما يفهم من كون جعل الجهل علّةً للإكرام ، والعلم علّةً للاستخفاف ؛ لانتفاء غير ذلك من موجبات القبح هنا ؛ إذ الجاهل قد يستحقّ الإكرام بشجاعته وكرمه ، والعالم قد يستحقّ الاستخفاف لبخله وفسقه ، وذلك مؤذن بأنّ ترتّب الحكم على الوصف يفيد كونه علّةً له وإن لم يكن مناسباً ، وهو المطلوب .
قيل عليه : إنّ علّة الاستقباح هنا اقتران الحكم بما ينافيه ، فإنّ الجهل مانع من الإكرام ، والعلم مانع من الاستخفاف .
وأُجيب بالمنع من المنافاة بين الجهل والإكرام ، والعلم والاستخفاف ، وقد بيّنّا جواز اجتماعهما في الصورة المذكورة .
والحقّ أنّ القبح هنا ليس للتعليل ؛ بل لاستلزامه النهي عن إكرام من يستحقّ الإكرام وهو العالم ، والنهي عن الاستخفاف لمن يستحقّه ، وهو الجاهل في ظنّ السامع ؛ لأنّه لم يذكر لمن أمر بإكرامه صفةً سوى الجهل ، ولا لمن أمر بالاستخفاف به صفةً سوى العلم ، والأصل عدم صفةٍ أُخرى ، ولشمول الأمر المذكور الاستخفاف بالعالم الجامع لصفات الكمال الخالي عن النواقص ، وإكرام الجاهل الخالي من
هامش
( 1 ) . حكاه الآمدي عن قوم في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 230 .
( 2 و 3 ) . حكاه الآمدي عنهم في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 230 .
( 4 و 5 ) . راجع الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 231 .