للوقاع المفسد له ، فنقض النبيّ عليه السلام عليه ذلك بالمضمضة ؛ فإنّها مقدّمة للشرب المفسد للصوم ، وليست مفسدةً له .
أمّا أنّ ذلك تنبيه على تعليل عدم الإفساد بكون المضمضة مقدّمةً للشرب المفسد فلا ، وذلك ؛ لأنّ كون القُبلة والمضمضة مقدّمةً للإفساد ليس فيه ما يتخيّل أن يكون مانعاً من الإفطار ، بل غايته أن لا يكون مفطراً ، فكان الأشبه بما ذكره عليه السلام أن يكون نقضاً لا تعليلًا .
وأيضاً كان الأصل مطابقة الجواب للسؤال من غير زيادة ولا نقصان . أمّا الزيادة ؛ فلعدم تعلّق الغرض بها ، وأمّا النقصان ؛ فلما فيه من الإخلال بمقصود السائل ، وعمر إنّما سأل عن كون القُبلة مفسدةً للصوم أم لا ، فالجواب المطابق إنّما يكون بما يدلّ على الإفساد أو عدمه ، وكون القُبلة علّةً لنفي الإفساد غير مسؤول عنها ، فلا يكون اللفظ الدالّ عليها جواباً مطابقاً للسؤال ، بخلاف النقض ؛ فإنّ به يتحقّق أنّ القُبلة غير مفسدة ، فكان جواباً مطابقاً للسؤال حينئذٍ .
الثالث : أن يفرّق الشارع بين الشيئين في الحكم بذكر صفة ، فيعلم أنّه لو لم يكن تلك الصفة علّةً لم يكن لذكرها معنى ، وهو قسمان :
أحدهما : أن يكون حكم أحدهما مذكوراً في الخطاب ، كقوله عليه السلام : « القاتل لا يرث » « 1 » ، فإنّه قد تقدّم بيان إرث الورثة ، فلمّا قال عليه السلام : « القاتل لا يرث » ، وفرّق بينه وبين جميع الورثة بذكر القتل الذي يجوز كونه مؤثّراً في منع الإرث علمنا أنّه العلّة في نفي الإرث .
وثانيهما : ما يكون حكمهما مذكوراً في الخطاب ، وهو على خمسة أوجه :
الأوّل : أن تقع التفرقة بلفظ يجري مجرى الشرط ، كقوله عليه السلام : « إذا اختلف الجنسان فبيعوا كيف شئتم يداً بيد » . بعد نهيه عليه السلام عن بيع البُرّ بالبُرّ متفاضلًا « 2 » ، فدلّ
هامش
( 1 ) . سنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 913 ، ح 2735 ؛ الجامع الصحيح ، ج 4 ، ص 425 ، ح 2109 ؛ السنن الكبرى ، البيهقي ، ج 6 ، ص 361 ، ح 12243 .
( 2 ) . راجع صحيح مسلم ، ج 3 ، ص 1211 ، ح 81 ؛ وسنن أبي داود ، ج 3 ، ص 248 - 249 ، ح 3349 - 3350 ؛ وسنن ابن ماجة ، ج 2 ، ص 757 - 758 ، ح 2254 .