المحالّ ؛ لامتناع حصول خصوصيّة إسكار الخمر لغيره ؟
لأنّا نقول : إنّ ذلك خلاف المقدّر ؛ إذ التقدير : أنّ الوصف المنصوص على كونه علّةً للحكم قد يحقّق في غير محلّ الوفاق ، والوصف المقيّد بخصوصيّة محلّ الوفاق يستحيل حصوله في غيره ، وأيضاً فالنصّ حينئذٍ لا يكون على العلّة ، بل على جزئها حسب ، وهذا خلاف الفرض .
احتجّ المانعون بأنّ قول الشارع : حرّمت الخمر لكونها مسكرةً يحتمل أن يكون إضافته إلى الخمر معتبرة في العلّة ، فلا يكون القياس إلّابأمرٍ مغاير ، وإذا كان هذا القول محتملًا للأمرين على السواء لم يدلّ على أحدهما تعييناً ؛ لعدم دلالة العامّ على الخاصّ .
والجواب : أنّ العرف يسقط هذا القيد عن الاعتبار ، فإنّ كلّ عاقل عارف بالوضع يفهم من قول القائل لولده : « لا تأكل هذه الحشيشة ؛ لأنّها سمّ » ، منعه عن أكل كلّ حشيشة تكون سمّاً ، فيكون في الشرع كذلك ، وإلّا لزم النقل ؛ ولأنّ علّة الحكم لا بدّ وأن تكون منشأ الحكم ، وكون الإسكار قائماً بالمحلّ لا مدخل له في ذلك ، فيحصل ظنّ عدم اعتباره ، وكون مطلق الإسكار هو العلّة ، ولأنّ ما ذكرتموه إنّما يرد على هذه العبارة ، فلو قال : « علّة تحريم الخمر الإسكار » ارتفع الاحتمال المذكور .
الثانية : تعدية التحريم من التأفيف إلى الضرب وغيره من أنواع الأذى الزائد عن أذى التأفيف متّفقٌ عليه بين الأُصوليّين ، لكنّهم اختلفوا في أنّه هل هو بالقياس أم لا ؟ فقال قوم : إنّه قياس ، وسمّوه جليّاً « 1 » ، وقال آخرون : ليس بقياس ، بل العرف نقله عن موضوعه اللغوي إلى المنع من أنواع الأذى « 2 » .
احتجّ الأوّلون بأنّ دلالة تحريم التأفيف على تحريم الضرب ، إمّا أن تكون بحسب اللغة ، وهو باطل بالضرورة ، أو بحسب العرف ، وهو باطل ؛ لأنّه يلزم النقل المخالف للأصل ، ولأ نّه لو ثبت هذا النقل لم يحسن من الملك المستولي على عدوّه
هامش
( 1 ) . منهم الشيرازي في اللمع ، ص 204 - 205 ؛ والرازي في المحصول ، ج 5 ، ص 121 ؛ والآمدي في الإحكامفي أُصول الأحكام ، ج 4 ، ص 269 .
( 2 ) . حكاه عنهم الرازي في المحصول ، ج 5 ، ص 121 .