وعلم ثبوتها في الفرع .
والثانية : ما إذا كان ثبوت الحكم في الفرع أولى من أصله ، كقياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف « 1 » ، وأمّا غيرهما فلا ؛ لوجود ما يمنع من ذلك سمعاً ، وهو اختيار المصنّف رحمه الله . ومنع منه السيّد « 2 » وجماعة مطلقاً « 3 » ؛ لعدم ما يدلّ على وجوده عقلًا وشرعاً ، وآخرون ؛ لوجود ما يدلّ على عدمه سمعاً .
والحقّ ما اختاره المصنّف رحمه الله .
لنا على المقام الأوّل - وهو الجواز عقلًا - أنّا نعلم قطعاً أنّ كلّ عاقل إذا لم يعتبر سوى حكم عقله لا يمتنع عنده أن يقول الشارع : حرّمت شرب الخمر ؛ لإسكاره ، ومن غلب على ظنّه أنّ علّة تحريمه الإسكار المفضي إلى وقوع الفتن والعداوة والبغضاء ، فقيسوا عليه كلّ ما يشاركه في هذا المعنى ، كالنبيذ وغيره ، ولو قال ذلك لتلقّته العقول بالقبول ، واستحسنه كلّ ذي عقلٍ سليم ونظرٍ مستقيم . ولا نعني بالجواز عقلًا إلّاهذا .
وعلى الثاني - وهو أنّه يمتنع سمعاً في غير الصورتين المذكورتين - وجوه :
الأوّل : قوله تعالى :
« أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ »
« 4 » والقياس قول على الله تعالى بما لا يعلم ، فيكون منهيّاً عنه .
الثاني : قوله تعالى :
« وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ »
« 5 » ، والقول بالقياس كذلك فيكون منهيّاً عنه .
ويشكل ؛ لاختصاصه بالرسول عليه السلام المتمكّن من أخذ الأحكام من الوحي المفيد للقطع .
هامش
( 1 ) . حكاه عنهما الرازي في المحصول ، ج 5 ، ص 22 - 23 ؛ والسبكي في الإبهاج في شرح المنهاج ، ج 3 ، ص 10 .
( 2 ) . الذريعة إلى أُصول الشريعة ، ج 2 ، ص 684 وما قبلها .
( 3 ) . الإحكام في أُصول الأحكام ، الآمدي ، ج 4 ، ص 312 ؛ حكاه الأسفرائيني وجعفر بن مبشّر وجعفر بن حرب وأكثر أصحاب الشافعي وبعض أهل الظاهر .
( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 169 ؛ الأعراف ( 7 ) : 33 .
( 5 ) . الإسراء ( 17 ) : 36 .