إذا عرفت هذا فاعلم أنّ إطلاق هذه الألفاظ في المباحث الآتية إنّما هي على مصطلح الفقهاء ، من أنّ الأصل محلّ الوفاق ، كالخمر ، والفرع محلّ الحكم المختلف فيه ، كالنبيذ . وأمّا العلّة فهي الوصف الجامع بين الأصل والفرع ، كالإسكار في المثال المذكور ، وهو قد يكون باعثاً على الحكم ، وقد يكون أمارةً عليه .
وأمّا الحكم فهو المطلوب إثباته ، كتحريم النبيذ في المثال ، ولا بدّ من كونه من الأحكام الخمسة ، أو الثابتة بخطاب الوضع ، كالصحّة والبطلان ، وغيرهما - إن لم نقل بالقياس في غيره - كالعقليّات واللغويّات .
[ البحث الثالث : هل القياس حجّة أم لا ؟ ]
قال :
البحث الثالث في أنّه هل هو حجّة أم لا ؟ منع الشيعة من التعبّد به شرعاً وإن جاز عقلًا . ومنع آخرون منه عقلًا .
وقال أبو الحسين البصري : إنّ العقل دالّ على التعبّد به ، ودليل الشرع عليه ظنّي .
والأقوى عندي أنّ العلّة إذا كانت منصوصةً وعلم وجودها في الفرع كان حجّةً ، كقوله عليه السلام لمّا سُئل عن بيع الرطَب بالتمر ، قال : « أينقص إذا جفَّ ؟ » ، قيل : نعم . وكذا قياس تحريم الضرب على تحريم التأفيف ، وأمّا في غير هذين فلا يجوز التعبّد به ؛ لقوله تعالى :
« وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ »
،
« وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ »
،
« إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً »
، وقوله عليه السلام : « ستفترق أُمّتي على بضع وسبعين فرقةً ، أعظمهم فتنةً قوم يقيسون الأُمور برأيهم ، فيحرّمون الحلال ، ويحلّلون الحرام » ، ولإجماع أهل البيت عليهم السلام عليه ؛ فإنّ المعلوم من قول الصادق والباقر والكاظم عليهم السلام إنكاره ، ولأنّ مبنى شرعنا على اختلاف المتوافقات ، وتوافق المختلفات ، كإيجاب صوم آخر رمضان ، وتحريم أوّل شوّال ، وإيجاب الوضوء من النوم والبول ، ولأنّ أكثر الصحابة منعوا منه حتّى قال عليّ عليه السلام : « من أراد أن يقتحم جراثيم جهنّم فليقل في الجدّ برأيه » ، وقال عليه السلام : « لو كان الدين يؤخذ قياساً لكان باطن الخفّ أولى بالمسح من ظاهره » ، وإنكاره العمل به متواتر .