تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 ) — صفحة 192

مساهمون:

ص١٩٢
أقول : لمّا كان تعدية الحكم من الأصل إلى الفرع ؛ لوجود العلّة في الفرع كانت أركانه أربعةً . أمّا الأصل فاعلم أنّا إذا قسنا النبيذ على الخمر في التحريم ، فإمّا أن يكون الأصل عبارةً عن محلّ ذلك الحكم المطلوب إثباته في الفرع ، وهو المقيس عليه ، كالخمر في هذا المثال ، أو نفس الحكم المذكور ، وهو التحريم ، أو علّته ، أعني الوصف الباعث عليه ، كالإسكار ، أو النصّ الدالّ على ذلك الحكم ، فذهب الفقهاء إلى الأوّل ، والمتكلّمون إلى الرابع ، واستضعفها صاحب المحصول « 1 » والمصنّف . أمّا قول الفقهاء ؛ فلأنّ أصل الشيء ما تفرّع عليه غيره ، وكان ينبغي أن يقال : ما تفرّع عليه ذلك الشيء ، ونفس الحكم ليس متفرّعاً على نفس الخمر ؛ إذ لو لم ينصّ الشارع على تحريم الخمر لم يكن تفريع حرمة النبيذ عليه ، ولو وجد التحريم في غير الخمر أمكن تفريع حرمة النبيذ عليه ، وينبغي تقييد ذلك الغير بما يشارك النبيذ في علّة تحريمه ؛ ولمّا ظهر انفكاك كلّ واحد من ماهيّة الخمر وتحريم النبيذ عن الآخر استحال توقّف تحريم النبيذ على ماهيّة الخمر . وأمّا قول المتكلّمين فضعيف أيضاً لهذا الوجه ؛ وذلك أنّا لو قدّرنا علمنا بتحريم الخمر ضرورةً ، أو بدليل عقلي لأمكننا أن نفرّع عليه تحريم النبيذ على تقدير مشاركته إيّاه في علّة التحريم ، ولو قدّرنا أنّ النصّ ورد على تحريم الخمر لا لخصوصيّة ، بل على أمر شامل له وللنبيذ لم يكن تفريع النبيذ على ذلك النصّ تفريعاً قياسيّاً ، وحينئذٍ لا يكون النصّ أصلًا للقياس . ولمّا ظهر فساد هذين القسمين تعيّن كون الأصل إمّا الحكم الثابت في محلّ الوفاق ، كتحريم الخمر في المثال المذكور ، أو علّة ذلك الحكم ، كالإسكار فيه . والآمدي نقل الاتّفاق على أنّ العلّة التي هي محلّ الحكم المتّفق عليه لأن يكون أصلًا ، وإن جاز أن يكون الشيء في المختلف فيه أصلًا « 2 » .
هامش
( 1 ) . المحصول ، ج 5 ، ص 16 - 17 . ( 2 ) . الإحكام في أُصول الأحكام ، الآمدي ، ج 3 ، ص 172 .