تخطي إلى المحتوى الرئيسي

جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 ) — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
وإذا تقرّر هذا فاعلم أنّ الحكم أصل في محلّ الوفاق ، فرع في محلّ الخلاف ، وأمّا علّة الحكم فبالعكس ؛ فإنّها أصل في محلّ الخلاف ، وفرع في محلّ الوفاق . أمّا الأوّل ؛ فلأ نّا ما لم نعلم ثبوت الحكم في محلّ الوفاق لا نطلب علّة ذلك الحكم ، وقد نعلم الحكم ولا نطلب علّته أصلًا ، فقد توقّف إثبات علّة الحكم في محلّ الوفاق على ثبوت ذلك الحكم فيه ، من غير عكس ، وذلك يؤذن بكون العلّة فرعاً على الحكم . ويشكل بأنّ توقّف طلب العلّة وكونها فرعاً عليه على ثبوت الحكم لا يوجب افتقار العلّة إلى الحكم ، واستغناء الحكم عن طلب العلّة لا يوجب استغناءه عن نفس العلّة ، وكونه أصلًا لها . وأمّا الثاني ؛ فلأ نّا ما لم نعلم تحقّق علّة الحكم في المتنازع لا يمكننا أن نحكم بثبوت ذلك الحكم فيه قياساً ، ولا ينعكس ؛ إذ يمكننا العلم بتحقّق العلّة من دون تحقّق الحكم فيه ، فقد توقّف ثبوت الحكم فيه على ثبوت العلّة من غير عكس ؛ وذلك دالّ على تفريع الحكم على العلّة في محلّ النزاع . وينبغي أن يعلم أنّ تسمية العلّة في محلّ النزاع أصلًا للحكم فيه أولى من تسمية محلّ الحكم في المتّفق عليه أصلًا ؛ لأنّ علّة الحكم مؤثّرة فيه ، والمؤثّر في الشيء أصل له ؛ لابتنائه عليه ، وليس المحلّ مؤثّراً في الحكم ، ولأنّ تعلّق المؤثّر بأثره أقوى من تعلّق المحلّ بالحالّ ؛ لأنّ المؤثّر موجب للأثر ، والمحلّ غير موجب للحالّ ؛ لاستحالة كون القابل فاعلًا . إذا تقرّر هذا فاعلم أنّ لكلّ من قولي المتكلّمين والفقهاء وجهاً . أمّا الأوّل ؛ فلأ نّه قد ظهر أنّ الحكم الحاصل في محلّ الوفاق أصل للحكم في محلّ الخلاف ، وثبت أنّ النصّ أصل لذلك الحكم ، فقد صار النصّ أصل أصل الحكم المطلوب إثباته ، وأصل أصل الشيء أصل لذلك الشيء ، فصحّ إطلاق لفظ « الأصل » عليه ، وهو قول المتكلّمين . وأمّا الثاني ؛ فلأنّ الحكم الذي هو الأصل محتاج إلى محلّه ، فكان محلّ الحكم أصلًا للأصل ، فجاز تسميته أصلًا ، وهو قول الفقهاء .