وقال القاضي أبو بكر :
القياس حمل معلوم على معلوم في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما بأمر جامع بينهما من حكم أو صفة أو نفيها عنهما « 1 » .
وارتضاه جمهور الأشاعرة .
وذكر المعلوم ؛ لتناول الموجود والمعدوم ؛ فإنّ القياس يجري فيهما جميعاً ، ولو أتى بلفظ « الشيء » لكان مختصّاً بالموجود على المذهب الحقّ .
ولو قال : حمل فرع على أصل لأوهم اختصاصه بالموجود ؛ من حيث إنّ وصف أحدهما بكونه أصلًا والآخر بكونه فرعاً ، قد يظنّ أنّه صفة وجوديّة ، وذلك ملزوم لكون الموصوف بهما موجوداً ، وإن كان ذلك الظنّ فاسداً ، فكان لفظ « المعلوم » أجمع وأمنع وأبعد عن الوهم الفاسد ، وإنّما قال : « حمل معلوم على معلوم » ؛ لأنّ المقايسة أمر نسبي ، فلا يعقل إلّابين شيئين ، ولأ نّه لولاه لكان إثبات الحكم أو نفيه في الفرع غير مستفاد من القياس ، بل بمجرّد الحكم ، وذلك ممتنع . وإنّما قال : « في إثبات حكم لهما أو نفيه عنهما » ؛ لأنّ المراد بحمل أحد المعلومين على الآخر التشريك بينهما في الحكم ، وحكم الأصل - أعني المحكوم عليه - قد يكون إثباتاً ، وقد يكون نفياً ، فكان ما ذكره شاملًا لهما ، وإنّما قال : « بأمر جامع بينهما » ؛ لأنّ القياس لا يتمّ إلّابجامع بين الأصل والفرع ، وإلّا لكان حمل الفرع على الأصل من غير دليل ، وهو باطل .
وإنّما قال : « من حكم أو صفة لهما » ؛ لأنّ الجامع بين الأصل والفرع قد يكون حكماً شرعيّاً ، كما لو قال في تحريم بيع الكلب : « الكلب نجس » فلا يجوز بيعه كالخنزير ، وقد يكون وصفاً حقيقيّاً كما لو قال في النبيذ : « مسكر » ، فكان حراماً كالخمر .
وقوله : « أو نفيهما عنهما » ؛ لأنّ الجامع قد يكون ثبوتيّاً - كما ذكرناه - وقد يكون عدميّاً ، إمّا في الحكم ، فكما لو قال : الثوب النجس المغسول بالخلّ - مثلًا -
هامش
( 1 ) . حكاه عنه الرازي في المحصول ، ج 5 ، ص 5 ؛ والآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 3 ، ص 167 .