واختار المصنّف الأوّل . واحتجّ عليه بوجهين :
أحدهما : أنّا نعلم بالضرورة أنّ الصحابة الذين رووا عن النبيّ عليه السلام هذه الأخبار ما كانوا يكتبونها في ذلك المجلس ، ولا كانوا يكرّرون عليها بحيث تصير محفوظةً لهم ، بل كانوا يتركونها لا يذكرونها إلّابعد مدّة ، ومن المعلوم أنّ بقاء تلك الألفاظ التي خاطبهم الرسول عليه السلام بها على أذهانهم بحيث لا يشذّ منها شيء متعذّر ، فعلم من ذلك اقتصارهم على حفظ المعنى دون لفظه .
الثاني : أنّه يجوز شرح الشرع للعجم بلسانهم وفاقاً ، وإذا جاز إبدال ألفاظه عليه السلام العربيّة بألفاظ عجميّة مفيدة للمعنى ، فجواز إبدالها بألفاظ عربيّة أولى ، فإنّه من المعلوم أنّ التفاوت بين العربيّة وترجمتها بالعربيّة أقلّ ممّا بينها وبين ترجمتها بالعجميّة .
ويشكل ؛ للمنع من الأولويّة ، وذلك ؛ لأنّ الترجمة العربيّة تقتضي اعتقاد سامعها أنّها من ألفاظ النبيّ عليه السلام ، وهو جهل بخلاف الترجمة بالعجميّة .
احتجّ المخالف بالنصّ والمعقول .
أمّا الأوّل فقوله عليه السلام : « رحم الله امرئً سمع مقالتي فوعاها ثمّ أدّاها كما سمعها ، فربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه » ، رواه مطعم وعبد الله بن مسعود . ولفظ مطعم هكذا : « نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها ثمّ أدّاها إلى من سمعها » « 1 » ، وفي لفظ ابن مسعود أيضاً عن النبيّ صلى الله عليه وآله : « رحم الله رجلًا سمع منّا حديثاً فبلّغه كما سمعه ، فربّ مبلّغ أوعى من سامع » « 2 » ، وأداؤه كما سمعه إنّما يتحقّق بنقل اللفظ المسموع ، ونقل الفقيه إلى الأفقه ؛ لأنّ الأفقه قد يتفطّن بفضل معرفته من فوائد اللفظ إلى ما لا يتفطّن إليه الفقيه الذي رواه .
وأمّا المعقول ؛ فلأ نّه لو جاز للراوي تبديل لفظ الرسول عليه السلام بلفظ نفسه لجاز
هامش
( 1 ) . مسند أحمد ، ج 5 ، ص 38 ، ح 16312 ؛ سنن الدارمي ، ج 1 ، ص 75 ، باب الاقتداء بالعلماء ؛ المعجم الكبير ، ج 2 ، ص 127 ، ح 1543 و 1544 مع اختلافٍ يسير ، وفيه : « من لم يسمعها » .
( 2 ) . الإحسان بترتيب صحيح ابن حبّان ، ج 1 ، ص 104 ، ح 68 ، وفيه : « رحم الله من سمع حديثاً فبلّغه كماسمعه ، فربّ مبلّغ أوعى له من سامع » .