احتجّ أبو حنيفة وموافقوه بوجوه :
الأوّل : أنّ العدل لا يجوز أن يقول : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله » ، إلّاوله ذلك ، وإنّما يكون له ذلك ؛ إذ علم أو غلب على ظنّه أنّ الرسول عليه السلام قاله ؛ إذ لو ظنّ عدم قولِه عليه السلام ذلك أو شكّ فيه لم يحلّ له النقل الجازم ؛ لما فيه من التدليس على السامعين . وحينئذٍ يكون إطلاق هذا القول مستلزماً ظنّه أو علمه عدالة الواسطة فيكون تعديلًا لها .
الثاني : أنّ علّة التبيّن الفسق ؛ لما تقدّم ، وهي منتفية ظاهراً ؛ لعدم علّتها وأصالة بقائها على العدم فينتفي التبيّن وإلّا لتحقّق الحكم مع ارتفاع العلّة ، وإذا انتفى التبيّن وجب القبول ؛ لما تقدّم .
الثالث : لو لم يقبل المراسيل لم يقبل ما يجوز كونه مرسلًا ، فكان إذا قال الراوي : « عن فلان » لم يقبل حتّى يصرّح بأ نّه رواه عنه بغير واسطة أو بواسطة عدل ، وذلك يوجب سقوط الأحاديث المعنعنة ، مع التنصيص على انتفاء الواسطة وعلى عدالتها ، وهو باطل اتّفاقاً « 1 » .
والجواب عن الأوّل : أنّ الفرع إذا قال : « قال رسول الله صلى الله عليه وآله » ، فقد أتى بالصيغة المقتضية للجزم بكون القول المذكور قول الرسول عليه السلام ، والجزم بالشيء مع تجويز نقيضه كذب ، وذلك يقدح في عدالة الراوي ، سواء روى عن عدل أو عن غيره ، فوجب صرف اللفظ عن ظاهره بإضمار ما يزيل المفسدة المذكورة ، وليس إضمار « أظنّ » بحيث يصير تقدير الكلام : « أظنّ أنّه قال » أولى من إضمار « سمعت أنّه قال » ، ومعلوم أنّه لو صرّح بذلك - أي بكونه « سمع أنّه قال رسول الله صلى الله عليه وآله » - لم يكن تعديلًا وفاقاً ، فكذا إذا لم يصرّح .
وفيه نظر ؛ للمنع من عدم الأولويّة ، فإنّ الذهن يتبادر إلى فهم المعنى الأوّل دون الثاني ، ولأ نّه لو كان المراد « سمعت أنّه قال » لجاز أن يخبر بما يعلم انتفاؤه عن الرسول عليه السلام إذا سمع الإخبار به عنه ، وأيضاً لا نسلّم أنّه على تقدير إضمار
هامش
( 1 ) . ذكر العلّامة هذه الوجوه ولم ينسبها إلى أحد ، فراجع نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 3 ، ص 465 - 467 .