فيكون كذباً . وكذا لو قال الراوي بعد أن قرأ الحديث على الشيخ : « أرويه عنك » فيقول : « نعم » .
احتجّ الفقهاء بأنّ الإخبار في أصل اللغة لإفادة العلم ، وهذا السكوت أفاد الراوي العلم بأنّ المسموع كلام النبيّ عليه السلام ، فوجب أن يكون إخباراً ؛ لتحقّق المعنى فيه ، والمراد ب « العلم » هنا ما هو أعمّ من مفهومه ، بحيث يندرج فيه الظنّ .
وأيضاً فإنّ لكلّ قوم اصطلاحاً على وضع ألفاظ مخصوصة لمعانٍ مخصوصة ، إمّا بأن نقلوها عن موضوعاتها اللغويّة إليها ، أو بأن استعملوها في تلك المعاني على سبيل التجوّز ثمّ شاع ذلك التجوّز ، فلفظ « أخبرني » و « حدّثني » من هذا الباب ، فإنّ السكوت المذكور لمّا شابه الإخبار في إفادة الظنّ والمشابهة أحد وجوه التجوّز جاز إطلاق لفظ « الإخبار » عليه مجازاً . ثمّ استقرّ عرف المحدّثين عليه ، ولأ نّه لو لم يكن صحيحاً لكان سكوته وتقريره فسقاً قادحاً في عدالته ، وإن كان ثَمّ محتملة للقراءة أو غفلته فلا يكفي السكوت .
وجوّز المحدّثون « حدّثنا قراءةً عليه » . قال ابن جُريج : قرأت على عطاء بن أبي رباح ، فقلت له : كيف أقول ؟ فقال : قل : « حدّثنا » « 1 » .
وقال ابن عبّاس لقوم من الطائف : اقرأوا عليّ ، فإنّ إقراري به كقراءتي عليكم « 2 » .
وقيل : القراءة على الشيخ أعلى من قراءة الشيخ « 3 » وأحوط ؛ لتطرّق السهو عليه ، والراوي لا علم له بخلاف العكس ، ولجواز غفول السامع عن البعض بخلاف ما إذا قرأ . والوجهان ضعيفان ، والأكثر على ترجيح قراءة الشيخ .
واحتجّ المتكلّمون وبعض الظاهريّة بأ نّه لم يسمع من الراوي شيئاً ، فقوله :
« أخبرني » أو « حدّثني » يكون كذباً « 4 » .
هامش
( 1 ) . حكاه عنه الخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية ، ص 306 .
( 2 ) . الكفاية في علم الرواية ، ص 263 - 264 .
( 3 ) . راجع مقدّمة ابن الصلاح ، ص 100 .
( 4 ) . راجع المحصول ، ج 4 ، ص 453 .