بعد علمه بمراد الرسول عليه السلام ، إلّاإذا عُلِم أنّه حجّة ، وإنّما أثبتّم كونه حجّةً بذلك فيدور ، وأيضاً فقوله : أمر الرسول عليه السلام بكذا ، ليس فيه ما يدلّ على أنّ المأمور به كلّ المكلّفين أو بعضهم ، وهل أمر بذلك الفعل دائماً أو غير دائم ؟ فلا يكون بمجرّده حجّةً ما لم يضمّ إليه ما يدلّ على العموم ، مثل قوله عليه السلام : « حكمي على الواحد حكمي على الجماعة » « 1 » ، وما جرى مجراه .
الرابعة : أن يقول : « أُمرنا بكذا » أو « نهينا عن كذا » ، أو « أوجب كذا » ، أو « أُبيح كذا » ، أو « حرّم » . فهذه أدون من الثالثة ؛ لأنّ كلّ ما ذكر من الاحتمالات في الثالثة فهو حاصل هنا ، ويزيد عليه احتمال آخر ، وهو كون « الآمر » و « الناهي » و « الموجب » و « المبيح » و « المحرّم » غير الرسول عليه السلام .
وهل ذلك حجّة ؟ قال الشافعي : نعم ؛ لأنّه يفيد أنّ « الآمر والناهي » هو الرسول عليه السلام ظاهراً « 2 » ، فإنّ من التزم طاعة رئيس وقال : « أُمرنا بكذا » أو « نهينا عن كذا » ، فهم منه أمر ذلك الرئيس ونهيه ، ولأنّ غرض الصحابي أن يعلّم الشرع ، فيجب حمله على الشارع دون غيره ، ولا يحمل على ما أمر الله تعالى ؛ لأنّه ظاهر للكلّ ، فلا يستفاد من قول الصحابي ، ولا على أمر جماعة الأُمّة ؛ لأنّ الصحابي منهم ، وهو لا يأمر نفسه .
ويشكل بأنّ أمر الله تعالى إنّما يكون ظاهراً للكلّ إذا كان صريحاً مثل قوله تعالى :
« وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا »
« 3 » ، أمّا ما يكون مستفاداً من خطاب يفتقر دلالته على الأمر إلى بحث وتأمّل فلا ، ولا يلزم من كون الآمر مجموع الأُمّة الذين يعتبر قولهم في الإجماع كونه آمراً لنفسه ؛ لاحتمال كونه عامّيّاً لا يعتبر قوله في الإجماع ، ولمنع انحصار غرض الصحابي في تعليمنا الشرع .
هامش
( 1 ) . لم نعثر عليه في الجوامع الحديثيّة . نعم ، ورد في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 2 ، ص 194 و 297 و 369 ؛ وج 3 ، ص 479 و 600 - 601 ؛ وج 4 ، ص 437 ؛ ومختلف الشيعة ، ج 3 ، ص 28 ، المسألة 1 .
( 2 ) . حكاه عنه أبو الحسين البصري في المعتمد ، ج 2 ، ص 173 ؛ والرازي في المحصول ، ج 4 ، ص 447 ؛ والآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 2 ، ص 325 .
( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 275 .