خبر الواحد العدل مطلقاً ، كما سبق تقريره .
احتجّ الخصم بقياس الرواية على الشهادة ، بل اعتبار العدد في الرواية أولى ؛ لأ نّها تتضمّن شرعاً عامّاً وحكماً كلّيّاً ، بخلاف الشهادة ، ولأنّ الدليل ينفي العمل بخبر الواحد ؛ لقوله تعالى
« إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً »
« 1 » ، ترك العمل به في خبر العدلين ؛ لقوّة الظنّ ، ولاعتبار الشارع إيّاه في الشهادة ، فيبقى في غيره على أصل المنع .
والجواب عن الأوّل : أنّه منقوض بالحرّيّة والذكورة وغيرهما من الأُمور المعتبرة في الشهادة دون الرواية .
وعن الثاني أنّ الله تعالى أمر بالتمسّك بخبر الواحد كما تقدّم ، وحينئذٍ يكون التمسّك به معلوماً لا مظنوناً ، فلا يندرج تحت النهي عن العمل بالظنّ .
ومنها : تصديق الأصل ، وهو غير شرط في قبول رواية الفرع ، خلافاً للحنفيّة ، ولما نقل عن أحمد بأ نّهم ردّوا رواية الفرع بالتكذيب ، وبقول الأصل : لا أدري « 2 » .
لنا : أنّ ربيعة بن عبد الرحمن روى عن سهيل بن أبي صالح ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، أنّه قضى بالشاهد واليمين ، ثمّ نسيه سهيل ، فقال لربيعة : « لا أدري » ، وكان يقول : حدّثني ربيعة عنّي .
قالوا لو جاز لجاز في الشهادة « 3 » .
والجواب : الشهادة أضيَق أمرها .
نعم ، يشترط عدم تكذيبه الفرع .
وبين التصديق والتكذيب واسطة ، وهي السكوت أو التشكيك .
أمّا الأوّل ؛ فلوجود المقتضي للعمل بالرواية من دونه ، وهو خبر العدل السالم عن معارضة تكذيب الأصل ، فأشبه موت الأصل أو جنونه .
وأمّا الثاني ؛ فلكون تكذيبه الفرع ملزوماً لكذب أحدهما ، إمّا في التكذيب
هامش
( 1 ) . النجم ( 53 ) : 28 .
( 2 ) . راجع شرح مختصر المنتهى ، ج 2 ، ص 71 ؛ ونهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 3 ، ص 440 .
( 3 ) . سنن أبي داود ، ج 3 ، ص 309 ، ح 3610 ؛ السنن الكبرى ، البيهقي ، ج 10 ، ص 283 ، ح 20643 - 20644 .