كانت العلّة قطعيّة العلّيّة والثبوت فيهما قدّم ، وإن كان الأصل ثابتاً بذلك الخبر قُدّم الخبر ، وإذا عارضه فعل الرسول عليه السلام ، وساوى حكمه حكمنا ، وتناوله الخبر ، وأمكن تخصيص أحدهما بالآخر خُصّ به ، وإلّا فالترجيح إن لم يمكن .
وعمل أكثر الأُمّة بخلاف مقتضاه لا يوجب ردّه ، لكنّه مرجّح . ولو خالف مذهب الراوي روايته لا يقدح ؛ لجواز استناده إلى ما ظنّه دليلًا وليس به . ولو اقتضى الخبر العلم وفي القطعيّة موافق له قُبل ، وإلّا رُدّ ؛ لجواز إسماع البعض ، والاقتصار بالقطعي للآخر ، أمّا مع عدم الموافقة فإنّه لمّا كان التكليف يتضمّن العلم وليس له صلاحيّة لزم تكليف ما لا يطاق ، وإن اقتضى العمل وجب قبوله وإن عمّت البلوى به ؛ لعموم الأدلّة ، ولثبوت أحكام القيء والرعاف والقهقهة به . وتعارض أبا حنيفة في قوله : لو كان صحيحاً لأسمعه عدد التواتر ؛ لئلّا ينقطع عمّن كلّف به بما لا تعمّ به البلوى .
[ تهذيب الوصول ، ص 236 - 237 ]
أقول : لمّا ذكر شرائط قبول خبر الواحد الراجعة إلى حال الراوي ذكر ما يرجع إلى معنى الرواية منها ، وذلك أُمور :
منها : عدم المعارض .
واعلم أنّ المتعارضين هما اللذان لا يمكن الجمع بين مدلوليهما ، إمّا بأن يكون أحدهما ينفي ما أثبته الآخر من الحيثيّة التي أثبتها مطابقةً ، كما لو قال : صلِّ في الوقت الفلاني فرضاً . ثمّ قال : لا تصلِّ في ذلك الوقت فرضاً ، أو التزاماً ، كما لو قال : طف في ذلك الوقت ، أو : صلِّ فيه نفلًا .
إذا تقرّر هذا ، فاعلم أنّ الدليل القاطع المعارض بخبر الواحد إن كان عقليّاً ، فإمّا أن يقبل الخبر التأويل - ولو على أبعد الوجوه - أو لا ، فإن كان الأوّل أوّلناه ولم نحكم بردّه ، وإن كان الثاني قطعنا بكذبه ؛ لأنّ الدليل العقلي لا يحتمل النقيض ، فإذا كان خبر الواحد غير محتمل للنقيض في دلالته ، وهو محتمل للنقيض في متنه - لما عرفت من عدم إفادة خبر الواحد العلم - وجب القطع بوقوع ذلك المحتمل ،
جامع البين من فوائد الشرحين ( موسوعة الشهيد الأول ج 16 و 17 ) — صفحة 161
مساهمون: الشهيد الأول
ص١٦١