واعترض بأنّ النزاع إنّما هو في الكلام المسموع ، أعني المركّب من الحروف والأصوات ؛ إذ بحث الأُصولي لا يتعلّق إلّابه لا بالكلام النفسي ، ولا يلزم من كون الكلام النفسي صدقاً كون المسموع كذلك « 1 » .
سلّمنا لكن نمنع أنّ الكلام النفسي يستحيل الكذب فيه ، والملازمة بين استحالة الجهل واستحالة الكذب غير ظاهرة ، فما الدليل عليها ؟
وقال غيره : إنّ الكذب نقص ، والنقص على الله تعالى محال إجماعاً « 2 » ، ولا يتأتّى صدق النبيّ عليه السلام على قواعد الأشاعرة ؛ لعدم تعليلهم أفعال الله تعالى بالأغراض والحِكَم ، ويجوّزون عليه فعل القبيح ، فجاز الكذب في خبره ، وتصديقه الكاذب ، وإغراؤه بالجهل ، وإنّما يتمّ ذلك على مذهب الإماميّة والمعتزلة .
قال الغزالي :
المعجز يدلّ على صدقه ، واستحالة صدور المعجزة على [ يد ] الكاذب ، وإلّا لكان الله تعالى عاجزاً عن تصديق رسوله ، وهذا محال « 3 » .
وردّ بأنّ خلق المعجز عقيب دعوى الكاذب إذا كان مستلزماً لعجزه عن تصديق الرسول فكذا يلزم من الحكم بعدم اقتداره عليه عجزه ، فلم يكن نفي أحد العجزين عنه أولى من الآخر « 4 » ، وكما يجب عندنا القطع بصدقه في دعواه عقيب المعجز كذا يجب عندنا القطع في جميع أقواله بالصدق ؛ لما بيّنّا من عصمة الأنبياء عليهم السلام ، وقد يحتفّ بخبر لا يفيد العلم بمجرّده قرائن يفيد معها العلم . وهو مذهب النظّام « 5 » والغزّالي « 6 » والجويني « 7 » ؛ خلافاً للباقين .
هامش
( 1 ) . المعترض هو العلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 3 ، ص 335 .
( 2 ) . القائل هو القاضي عضد الدين الإيجي في شرح المواقف ، ج 8 ، ص 101 .
( 3 ) . المستصفى ، ج 1 ، ص 265 .
( 4 ) . هذا الردّ ذكر في المحصول ، ج 4 ، ص 280 ؛ ونهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 3 ، ص 336 .
( 5 ) . حكاه عنه أبو الحسين في المعتمد ، ج 2 ، ص 92 ؛ والرازي في المحصول ، ج 4 ، ص 282 .
( 6 ) . المستصفى ، ج 1 ، ص 256 .
( 7 ) . نقله عنه الرازي في المحصول ، ج 4 ، ص 282 ؛ والسبكي في الإبهاج في شرح المنهاج ، ج 2 ، ص 311 .