والباء في قولنا : « بقولهم » للسببيّة ، وهي متعلّقة ب « حصل » لا ب « العلم » ، فخرج أيضاً من الأخبار ما وافق دليلًا قطعيّاً يدلّ على مدلول الخبر ، فإنّ حصول العلم ليس بسبب قولهم ، بل بالدليل .
وقال السُمنيّة « 1 » : إنّما يفيد التواتر الظنّ الغالب « 2 » ، ومنهم من وافق على إفادته العلم إذا كان خبراً عن أُمور موجودة في زماننا دون ما كان خبراً عن أُمور سالفة « 3 » .
والحقّ الأوّل ، وبطلان كلام السُمنيّة معلوم بالضرورة ؛ فإنّ كلّ عاقل يجد من نفسه العلم الضروري بالبلاد النائية ، كالهند والصين ، والأنبياء عليهم السلام ، والملوك الماضية ، مثل : كسرى وقيصر ، والفضلاء المشاهير ، كأفلاطون وأرسطو . ولا يكاد العلم بذلك يقصر عن العلم بالمحسوسات ، ولا طريق لنا إلى ذلك إلّاالأخبار ، فالمنكر لذلك كمنكر المشاهدات .
قالوا : كلّ واحد من المخبرين البالغين حدّ التواتر يجوز عليه الكذب عند انفراده ، فعند اجتماعه يكون كذلك ، وإلّا لانقلب الجائز ممتنعاً ، وإنّه محال . وحينئذٍ يجوز الكذب على الجميع فلا يكون قولهم مفيداً للعلم .
وجوابه : أنّه تشكيك في الضروري ، فلا يقبل .
سلّمنا ، لكنّ حكم المجموع كثيراً ما يخالف حكم أفراده ، ولا يلزم انقلاب الجائز ممتنعاً ؛ إذ المحكوم عليه بجواز الكذب خبر الواحد حال إفراده ، وبعدمه خبر المجموع وأحدهما غير الآخر ، وأيضاً فإنّا عرّفنا المتواتر بما أفاد العلم ، فما لا يكون مفيداً للعلم لا يكون متواتراً .
واختلف القائلون بإفادته العلم ، فقال أكثرهم : إنّ ذلك العلم ضروري .
هامش
( 1 ) . السُمنيّة - بضمّ السين وفتح الميم - : فرقة من عَبَدة الأصنام تقول بالتناسخ ، وتنكر وقوع العلم بالأخبار . الصحاح ، ج 4 ، ص 2138 ، « سمن » .
( 2 ) . حكاه عنهم الرازي في المحصول ، ج 4 ، ص 228 ؛ والآمدي في الإحكام في أُصول الأحكام ، ج 2 ، ص 259 ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 3 ، ص 300 .
( 3 ) . نقله عنهم الرازي في المحصول ، ج 4 ، ص 228 ؛ والعلّامة في نهاية الوصول إلى علم الأُصول ، ج 3 ، ص 300 .