المطابقة غير البرهانية ينبغي أن يحكم لها بالسعادة . وذوات العقائد غير المطابقة ذوات الجهل المركّب وهؤلاء أصحاب الشقاوة العظيمة ؛ لأنّهم مشتاقون إلى المعارف وهي غير حاصلة لهم ، وليسوا مشغولين عنها ، وهذا الألم أقوى من الآلام الجسمانية ؛ لما مرّ من أنّ نسبة الألم إلى الألم كنسبة الإدراك إلى الإدراك « 1 » .
سؤال : هؤلاء كانوا جازمين بحصول العلم لهم مع أنّه ليس كذلك فبعد مفارقة الأبدان إن استمرّوا على ذلك الجزم ، لم يحصل الألم ؛ لأنّهم غير حاكمين بفقدان كمالهم كما كانوا قبل المفارقة . وإن لم يستمرّ الجزم بحصول العلم لهم ، كان للمفارقة أثر مّا في استحصال عقائد فلم لا يحصل لهم العلم بعد المفارقة وتحصل لهم السعادة « 2 » ؟
أجاب عن هذا بعض المحقّقين : بأنّ النفوس الكاملة تتمثّل صور المعقولات فيها على ما ينبغي فتلتذّ بعد المفارقة بمشاهدة ما اكتسبته ووجدان ما أدركته فكأنّها قد كانت ذوات إدراك فصارت مع ذلك ذوات نيل .
وأمّا التي تمثّل أضداد الكمال فيها واعتقدت فيها الكمال ، وجب لها الوصول إلى مدركاتها ؛ فإنّها بعد الموت تفقد ما وجب الوصول إليه فتصير معذّبة بفقدان ما رجته لا بزوال الجزم عنها .
وفي هذا الجواب نظر ؛ فإنّها بعد المفارقة لمّا حصل لها اعتقاد ببطلان ما اعتقدته أوّلا ، وأنّها لم تصل إلى الكمال ، جاز أن يحصل لها اعتقاد بالكمالات على ما هي عليه .
والخالية عن الاعتقادات فإنّها عند قوم لا تبقى ؛ لأنّه لا موجب لسعادتها وشقاوتها فلا تحصلان لها فتكون معطّلة ، ولا تعطّل في الطبيعة .
وذهب آخرون إلى أنّها تبقى ولكن لا تخلو عن الإدراك ، وإلّا لتعطّلت ، فهي إذن تدرك بالالآت الجسمانية فيجب أن تتعلّق بأجسام أخر ولا تصير مبادئ صورة لها ، وإلّا لزم التناسخ فلا يجوز أن تكون تلك الأبدان أبدان شيء من الحيوانات ، بل يجوز أن تكون متولّدة من الأجزاء الهوائية والدخانية ، أو تكون بعض الأجرام السماوية من غير
هامش
( 1 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 3 : 350 .
( 2 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 3 : 353 .