كان شرّا من حيث فقدان الحياة التي هي كمال شخص مّا لا من حيث قدرة القادر عليه ولا من حيث كون الآلة مستعدّة للفعل ولا من حيث كون بدن الحيّ قابلا للانفعال .
وإذا قيل مثلا للنار : إنّها شرّ فليس من حيث وجودها ولا من حيث قوّتها على إحالة ما يجاورها إلى طبيعتها بل من حيث هو فقدان كمال لشخص إنساني .
وبالجملة ، الشرّ أمر عدمي لا تحقّق له . والوجود هو الخير والأشياء بحسبها على خمسة أقسام ، أمران منها موجودان :
أحدهما : ما هو خير محض لا شرّ فيه .
والثاني : ما يغلب فيه الخير على الشرّ .
والثلاثة الباقية - وهي : ما يتساوى فيه الخير والشرّ أو يغلب الشرّ أو يكون شرّا محضا - غير موجودة .
والشرور وإن كانت كثيرة فهي غير أكثرية وإنّما وجب وجود الثاني - وإن كان فيه شرّ - لغلبة الخير فيه ؛ فإنّ ترك الخير الكثير لأجل شرّ قليل شرّ كثير فوجوده قد اشتمل على أعظم المصلحتين فهو موجود .
وقد يوردون هاهنا سؤالا وهو : أنّه جاز أن يوجد الخير مبرّأ عن الشرّ فألّا وجد على هذه الحال ؟
أجابوا : بأنّ هذه القسم هو الأوّل بعينه وقد برهن على وجوده ، ويكون غير الذي وقع البحث فيه لكنّ الذي وقع البحث فيه يجب وجوده « 1 » .
سؤال : البحث في هذه الأمور من الفلاسفة خطأ ؛ فإنّهم قائلون بالموجب ومعه يسقط السؤال عن لميّة أفعاله « 2 » .
جواب : هؤلاء وإن قالوا بالموجب لكنّه عندهم خير محض فأرادوا البحث عن كيفية صدور الشرّ وهو خير « 3 » .
سؤال : نوع الإنسان أشرف ما في العناصر ، والغالب عليهم الجهل والانقياد إلى موجب شهواتهم وغضبهم فالشرّ أكثر من الخير « 4 » .
هامش
( 1 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 3 : 323 .
( 2 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 3 : 323 .
( 3 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 3 : 323 .
( 4 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 3 : 325 .