كما نعقل صورة السماء نعقل مقدارها .
ومنها : أنّ السواد حالّ في الجسم وليس بعاقل له ، فليس التعقّل هو الحصول « 1 » .
أجاب : بأنّ التعقّل ليس هو أيّ حصول كان ؛ فإنّه جنس لأنواع كثيرة كحصول الجوهر للعرض ، وبالعكس ، وحصول المدرك لما يدركه ، وبالعكس ، وحصول السواد للجسم هو حصول العرض لموضوعه لا حصول المدرك لما يدركه « 2 » .
ومنها : أنّا نعقل من واجب الوجود أنّه مجرّد ونشكّ في أنّه عاقل لذاته ، وهذا يدلّ على أنّ العالم بالشيء ليس هو حصول ذلك الشيء له « 3 » .
أجاب : بأنّ معاني الحصول مختلفة فإذا حقّق تجرّده وحقّق أنّ كونه مجرّدا ، قائما بالذات يقتضي علمه بذاته ، لم يتشكّك في ذلك « 4 » .
وفي هذا الجواب نظر ؛ لأنّ هؤلاء القوم إنّما استدلّوا على علمه - تعالى - بأنّه مجرّد ، والمجرّد ذاته حاصله لذاته فهو يعقل ذاته ، فإن كان حصول المجرّد لذاته يقع على معان مختلفة لم يبق الاستدلال بحصول الجنس - الذي لا يقتضي العلم على حصول العلم - صحيحا ؛ وكنّا قد ذكرنا هذا فيما سلف « 5 » .
[ 114 ] سرّ
إذا أحسسنا بزيد ثمّ أحسسنا بعمرو حصل لنا علم بأمر مشترك بينهما ، على أنّه تحصل في النفس صورة لو أطبقت على كلّ واحد منهما مع حذف مشخّصاته عنه ، لكانت تلك الصورة هي هي ، فتكون تلك الصورة كلّيّة بهذا الاعتبار .
وقد توجد كلّيّتها باعتبار آخر ، وهو أنّا إذا حصل في أذهاننا من صورة زيد ماهية الإنسان ثمّ حصل لنا علم بعمرو ، فإنّ الإنسانية التي حصلت في زيد أوّلا كافية في حصول الإنسانية التي تحصل في عمرو ثانيا لو فرضنا تجرّدنا عن تلك الصورة السابقة .
وهذان الاعتباران مأخوذان من حيث النظر إلى الخارج .
هامش
( 1 و 2 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 319 .
( 3 و 4 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 320 .
( 5 ) . راجع ص 525 وما بعدها .