بالقوّة فاعلا ، والصادر عن الصور إنّما يصدر بواسطة الوضع ؛ فإنّ النار إنّما تسخّن ما قرب منها ؛ وما بعد عنها إنّما تسخّنه بواسطة القريب ، وكذلك الشمس لا تضيء كلّ شيء بل ما كان منها بوضع خاصّ ، ولا وضع بين الجسم والهيولى فلا يكون فاعلا لها فلا تكون علّة للجسم ؛ لأنّ علّة المركّب علّة لأجزائه « 1 » .
والضعف في هذه الحجّة ظاهر ؛ فإنّ الهيولى وإن كانت بانفرادها بالقوّة لكنّها بالفعل مع الصورة ، ولا يلزم أن يكون للصورة مدخل في التأثير .
على أنّ قولهم : « الصورة إنّما تفعل بمشاركة الوضع » إنّما التجأوا فيه إلى الاستقراء .
[ 109 ] سرّ
قالوا : قد ثبت أنّ واجب الوجود واحد ، وأنّ الواحد لا يصدر عنه إلّا واحد ؛ فالصادر عنه عقل أوّل ، ثمّ يصدر عن ذلك العقل عقل آخر وفلك ، ثمّ عن ذلك العقل عقل آخر وفلك إلى أن ينتهي إلى العقل الأخير وفلك القمر « 2 » .
سؤال : العقل الصادر عن الأوّل إن كان واحدا ، استحال أن يكون مبدأ للكثرة ، وإن كان كثيرا استحال أن يصدر عن الأوّل .
جواب : الواحد إنّما يصدر عنه واحد إذا اتّحدت جهة الصدور ، أمّا إذا تكثّرت فلا استبعاد .
ووجه التكثّر ها هنا أنّ العقل الأوّل ، له هويّة « 3 » ووجود وهو تابع لها في المعقولية ، والهوية تابعة له في الوجود ؛ فإنّ الفاعل لو لم يفعل الوجود لم تكن ماهية ، وإذا نظر إلى الماهية وحدها بالقياس إلى الوجود ، عقل الإمكان ، وإذا قيست بالنظر إلى المبدإ الأوّل عقل الوجوب بالغير ، وإذا اعتبر الوجود من حيث إنّه قائم بذاته ، لزمه أن يكون عاقلا لذاته ، وإذا اعتبر بالقياس إلى الأوّل ، لزمه أن يكون عاقلا للأوّل .
فهذه ستّة اعتبارات : وجود وهويّة وإمكان ووجوب وتعقّل للذات وتعقّل للمبدإ ؛
هامش
( 1 ) . « مجموعة مصنّفات شيخ إشراق » 1 : 62 و 446 .
( 2 ) . « مجموعة مصنّفات شيخ إشراق » 1 : 63 و 449 .
( 3 ) . المراد منها هو الماهية . وفي « ت » : « له هوية تابع له في المعقولية » .