وعلى هذه الحجّة اعتراضات أخر كثيرة ظاهرة تركناها ؛ لوضوحها .
وقد يحتجّون على هذا المطلوب بحجّة أخرى ، وهي أنّ القوّة المحرّكة للسماء قوّة غير متناهية التحريك ؛ لما مرّ « 1 » من أنّ حركة السماء هي المستحفظة للزمان ، والقوّة الجسمانية متناهية التحريك ؛ لما مرّ « 2 » ، فهي قوّة غير جسمانية ، فهي إمّا نفس أو عقل ، والنفس إنّما تحرّك جسمها لتخرج من القوّة إلى الفعل في كمالاتها فهي مفتقرة في التحريك إلى شيء تكون كمالاته موجودة بالفعل ليخرج تلك الكمالات النفسانية من القوّة إلى الفعل ، وذلك الشيء هو العقل ، وتحريك النفس تحريك فاعلي وتحريك العقل تحريك غائي « 3 » .
واعلم أنّ هذه الحجّة مختلّة جدّا :
أمّا أوّلا : فلكونها مبنيّة على أصول فاسدة : من كون الزمان غير متناه ، ومن كون الزمان من لواحق الحركة ، وغير ذلك من الأصول التي تبيّن فسادها .
وأمّا ثانيا : فمن إيجابهم كون المحرّك غير جسم بناء منهم على أنّ القوّة الجسمانية متناهية .
وهو خطأ ؛ فإنّ القوّة الجسمانية لا يتناهى أثرها باعتبار صدور أمور غير متناهية فيها - على ما اعترفوا به - فجاز أن تكون القوّة جسمانية يفيض عليها من واجب الوجود إرادات جزئية غير متناهية التحريك .
وأمّا ثالثا : فلأنّا نقول : العقل إمّا أن يكون مباشرا للتحريك ، وهو ينافي قواعدهم من أنّ الثابت القارّ الذات لا يؤثّر في ذات غير قارّة ، وأنّ التحريك إنّما يكون استجلابا لكمال مفقود . والعقل كمالاته حاصلة بالفعل .
وإن لم يكن مباشرا للتحريك بل كان غاية في التحريك ، كان عودا إلى حجّتهم المتوسّطة ، وقد بيّنّا « 4 » خللها .
هامش
( 1 ) . انظر ص 261 .
( 2 ) . راجع ص 278 وما بعدها .
( 3 ) . « مجموعة مصنّفات شيخ إشراق » 1 : 444 .
( 4 ) . راجع ص 541 .