ذهب الأوائل « 1 » إلى أنّه تعالى ليس بعالم بذاته ؛ لأنّ العلم نسبة فيجب أن يتعدّد ما ينسب إليه . ولأنّ العلم مغاير فيكون صفة قابلها هو الله تعالى وهو فاعلها .
وقوم قالوا : إنّه تعالى ليس بعالم بالجزئيات وإلّا لتغيّر بتغيّرها ، ولاستدعاء إدراك الجزئيات الآلة والحصول في الخارج فيستفيد العلم منها « 2 » .
وذهب آخرون إلى أنّه ليس بعالم بما لا يتناهى ، وإلّا لزم انحصاره فيتناهى « 3 » .
والجواب عن الأوّل : أنّ تغاير الاعتبار كاف فيه ؛ فإنّ الذات - من حيث إنّها حاصلة لشيء - مغايرة لها من حيث إنّها يحصل لها شيء ، وبهذا الاعتبار كان الواحد منّا يعلم ذاته .
وعن الثاني : أنّ العلم ليس صفة متحقّقة ، لها وجود في الأعيان ، وعلى تقدير وجودها نمنع المقدّمة الاستثنائية .
وعن الثالث : أنّ الناس قد اختلفوا فيه : فالمذهب الحقّ أنّه عالم بها على الوجه الجزئي ، ولا يلزم التغيّر .
وذهب آخرون إلى أنّ العلم به إنّما يكون على الوجه الكلّي « 4 » . وسيأتي « 5 » البحث في هذا .
وأمّا كون الجزئيّات إنّما تدرك بالآلات فقد عرفت « 6 » ضعفه . وكذلك الحصول في الأعيان « 7 » .
وأمّا الذاهبون إلى إنكار العلم بما لا يتناهى فإنّ حجّتهم ساقطة بالكلّيّة ؛ فإنّ العلم بحسب المعلوم إن كان متناهيا أو غير متناه كان العلم بحسبه .
هامش
( 1 ) . « المباحث المشرقيّة » 2 : 492 ؛ « شرح المقاصد » 4 : 116 وانظر : « كشف المراد » : 221 .
( 2 ) . « المباحث المشرقيّة » 2 : 498 ؛ « شرح المقاصد » 4 : 121 وانظر : « كشف المراد » : 222 .
( 3 ) . « المباحث المشرقيّة » 2 : 497 ؛ « شرح المقاصد » 4 : 119 .
( 4 ) . انظر : « شرح المواقف » 8 : 70 .
( 5 ) . في ص 566 .
( 6 ) . لم نجد التصريح بذلك فيما مضى من كلام المصنّف قدّس سرّه ، نعم صرّح بذلك فيما سيأتي في ص 567 .
( 7 ) . راجع ص 416 .