وقد قالوا : إنّ الواحد لا يصدر عنه أمران ؛ لأنّ مفهوم « كون أحدهما صادرا عنه » مغاير لمفهوم « كون الآخر صادرا عنه » فالمفهومان إن قوّماه ، تكثّر ، وإن عرضا له ، عاد الكلام « 1 » .
وقيل على هذا : إنّ صدور الشيء عن غيره أمر اعتباري يتعدّد بتعدّد ما إليه الاعتبار كما تسلب عن الواحد أمور كثيرة ، وكما يوصف بأمور كثيرة مع أنّ سلب أحدهما عنه مغاير لسلب الآخر ، واتّصافه بأحدهما مغاير لاتّصافه بالآخر « 2 » .
أجيب عن هذا : بأنّ سلب الشيء عن الشيء ، واتّصاف الشيء بالشيء لا يتحقّق عند شيء واحد لا غير ؛ فإنّه لا يلزم الواحد من حيث هو واحد ، بل يستدعي وجود أشياء حتّى تلزم تلك الأمور لتلك الأشياء باعتبارات مختلفة .
وصدور الكثير عن الكثير ليس بمحال ؛ فإنّ السلب يفتقر إلى ثبوت مسلوب ومسلوب عنه ، والاتّصاف يفتقر إلى متّصف ومتّصف به ، وأمّا صدور الشيء عن الشيء فإنّه أمر يكفي في تحقّقه فرض شيء واحد هو العلّة ؛ وإلّا امتنع استناد جميع المعلولات إلى مبدأ واحد « 3 » .
لا يقال : الصدور أيضا لا يتحقّق إلّا بعد تحقّق شيء يصدر عنه وشيء صادر .
لأنّا نقول : الصدور يطلق على معنيين :
أحدهما : إضافي يعرض للعلّة والمعلول من حيث يكونان معا .
والثاني : كون العلّة بحيث يصدر عنها المعلول .
وكلامنا في الثاني ، وهو متقدّم على المعلول وعلى الإضافة ، وهو أمر واحد إن كان المعلول واحدا ، وهو نفس العلّة إن كانت العلّة علّة لذاتها ، وإن كانت علّة بحسب حالة أخرى ، كانت عارضا لها .
أمّا إذا كان المعلول فوق واحد فلا محالة يكون ذلك الأمر مختلفا ويلزم منه التكثّر في ذات العلّة « 4 » .
هامش
( 1 ) . « المباحث المشرقيّة » 1 : 588 ؛ « شرح المقاصد » 2 : 94 وانظر « إيضاح المقاصد » : 113 للمصنّف ( قدّس سرّه ) .
( 2 ) . انظر : « شرح المقاصد » 2 : 94 .
( 3 و 4 ) . « شرح المقاصد » 2 : 95 .