وكذلك القطع الذي هو الفعل بعد حصوله واستقراره يقال له : « قطع » ويقال أيضا حينما يقطع . وأمّا « أن يفعل » و « [ أن ] ينفعل » فهما مختصّان بحالة التوجّه .
وقد نازع قوم في وجودهما ؛ لأنّ تأثير الشيء في غيره أو تأثّره عن غيره لو كان زائدا ، لزم التسلسل ، لا دفعة واحدة ، بل مرّات غير متناهية ؛ فإنّ التسلسل إنّما يعقل إذا تتالت آحاده ، وها هنا الصفة المذكورة تفتقر إلى صفة أخرى ، وتأثيرها في تلك الصفة زائد ، ويلزم التسلسل بين كلّ صفتين مؤثّرتين ومتأثّرتين « 1 » .
وهاتان قابلتان للتضادّ ؛ فإنّ ابيضاض الأسود واسوداد الأبيض أمران لا يجتمعان ، وموضوعهما واحد وبينهما غاية الخلاف .
وقابلتان أيضا للشدّة والضعف لا من جهة القرب إلى الطرف الذي هو السواد ؛ فإنّ القريب من ذلك هو حدّ مبلوغ إليه من السواد ، بل القياس إنّما هو إلى الاسوداد الذي هو يكون في السواد .
وفرق بين الاسوداد الحاصل القارّ وبين السواد ؛ فإنّ الاسوداد يعقل على أنّه غاية حركة ، وأمّا السواد فلا يحتاج في تعقّله سوادا إلى مسبوقية الحركة ، وكونه غايتها .
وإذا عرفت هذا فمن المعلوم أنّ تسوّدا يكون أشدّ من تسوّد إذا كان أقرب من الاسوداد الذي هو الطرف ، والسواد أشدّ من السواد إذا كان أقرب إلى السواد الذي هو الطرف .
واعلم أنّهم أوّلا نفوا الحركة عن مقولتي « الفعل » و « الانفعال » كما بيّنّاه في الطبيعيّات « 2 » ، وها هنا أثبتوا الشدّة والضعف فيهما ، والاشتداد والضعف « 3 » فيهما إنّما يكون بحركة « 4 » .
وقد يجاب عن هذا : بأنّ الشدّة والضعف في الشيء غير اشتداد ذلك الشيء ف « أن يفعل » و « أن ينفعل » فيهما شدّة وضعف « 5 » .
واعلم أنّ قولهم : « إنّ في مقولة كذا شدّة وضعفا » إنّما يعنون به أنّ فيهما شديدا
هامش
( 1 ) . « المباحث المشرقيّة » 1 : 584 ؛ « شرح المقاصد » 2 : 472 .
( 2 ) . راجع ص 244 .
( 3 ) . كذا في « م » و « ت » وما في قبال « الاشتداد » هو « التضعّف » .
( 4 و 5 ) . انظر « مجموعة مصنّفات شيخ إشراق » 1 : 277 .