يتوصّل إلى التصديق . أمّا التصوّر فقد يقع بالمفردات .
ثمّ الأشياء قد يكون فيها تأليف ، والعلم بالمؤلّف مسبوق بالعلم بمفرداته لا من كلّ وجه ؛ بل من الوجه الذي لأجله يصلح أن يقع فيها التركيب والتأليف ، كذلك المنطق ليس نظرا في المفردات من حيث هي ماهيّات ، ولا أيضا من حيث هي على أحد نحوي الوجود : العيني والذهني ؛ بل من حيث هي محمولات وموضوعات وكلّيّات وجزئيّات وغير ذلك .
وهذه اللواحق إنّما تلحق الماهيّة عند لحوظ كونها في التصوّر ؛ فإنّه ليس في الموجودات الخارجيّة ذاتيّة ولا عرضيّة ولا كون الشيء موضوعا ومحمولا ولا مقدّمة ولا قياسا ؛ بل هذه تلحق الماهيّة إذا قيست إلى الوجود الذهني .
أمّا إذا لحظت الماهيّة من حيث هي هي ، لم يلحقها شيء من ذلك ؛ بل تكون لها اعتبارات تخصّها . وكذلك إذا لحظت من حيث هي موجودة بالوجود الخارجي ، فإذن الأمور الذهنيّة إذا لحظت - لا من حيث تقاس إلى أمر خارجي ؛ بل من حيث إنّها توصل إلى إدراك مجهول ، أو تنفع في الوصول إليه - كانت هي من تلك الحيثيّة موضوع المنطق ، فإذن موضوعه هي المعقولات الثانية من حيث يمكن أن يتأدّى بواسطتها ، من المعلومات إلى المجهولات « 1 » .
وقد ظنّ بعض الناس أنّ موضوعه الألفاظ « 2 » ، وهو خطأ فاحش ؛ فإنّ نظر المنطقي في اللفظ ليس بالقصد الأوّل ؛ فإنّه لو أمكنه إيصال ما في ذهنه إلى الغير لا بواسطة اللفظ ، لاستغنى عن اللفظ مطلقا ونسبة اللفظ إلى الحاضرين كنسبة الكتابة إلى الغائبين ، فكيف يجعلون موضوعه مختصّا بما يتعلّق بالحاضرين دون الغيّاب ؟ !
وظنّ المتأخّرون « 3 » أنّ موضوعه هو التصوّر والتصديق ؛ لأنّ المنطقي ناظر في الموصل إليهما - كالقول الشارح والحجّة - وفيما يتوقّف عليه الموصلان - كالجنسيّة
هامش
( 1 ) . حول هذا المبحث انظر : « الشفاء » ، المنطق 1 : 21 ، المدخل .
( 2 ) . انظر : « المنطقيات » 2 : 9 ؛ « إحصاء العلوم » : 58 ؛ « شرح المطالع » : 19 ، ولم يسمّ أحد منهم قائله ، وإنّما نسبوه إلى الأوهام .
( 3 ) . منهم صاحب المطالع ، انظر : « شرح المطالع » : 19 - 20 .