الثاني : جذب العقل أو الوهم إيّاها واستعمالها فيما يرومانه بصدّها عن العمل .
ففي حالة النوم يزول أحد الشاغلين وهو الأوّل ، وفي حالة المرض يزول أحدهما وهو الثاني ؛ فإنّ النفس إذا التفتت إلى البدن ، واشتغلت بتدبيره ، وأعرضت عن هذه القوّة ، فيأخذ في التصوير والتشبيح في هاتين الحالتين ، وينطبع ما تصوّره ، في الحسّ المشترك ، فيصير مشاهدة ؛ لأنّ المشاهدة ليست مشاهدة لكونها مستفادة من الخارج ؛ بل لحصول المشاهد في الحسّ المشترك ، وهذه الصور التي تركّبها المتخيّلة قد تكون كاذبة وقد تكون صادقة ، فالكاذبة على ثلاثة أوجه :
أحدها : إنّ الإنسان إذا أحسّ بشيء ، وبقيت صورة المحسوس في الخيال فبعد النوم ترتسم تلك الصورة في الحسّ المشترك .
وثانيها : إنّ المفكّرة تؤلّف صورة وترتسم في الخيال ، فعند النوم ترتسم في الحسّ المشترك .
وثالثها : قد يتغيّر مزاج الروح الحامل للمتخيّلة فتتغيّر أفعالها ؛ فالمشاهد للنيران يتغيّر مزاجه إلى الحرّ .
وأمّا الصادقة فإنّما تكون لأنّ جميع الأمور الكائنة مرتسمة في العقول ، وللنفس اتّصال بها ، والعائق لها الاشتغال بالبدن ومع اتّفاق فراغها تميل إلى الاتّصال لكونه أليق بها ، فينطبع فيها ما هو أقرب إليها من الأهل والولد .
والمتخيّلة من شأنها المحاكاة فتحاكي تلك المشاهدات الكلّية بصورة جزئية ، وتنطبع في الحسّ المشترك ، فتصير مشاهدة ، فإن كانت تلك الصور شديدة المناسبة للمعاني الكلّية حتّى لا يقع تفاوت بينهما إلّا بالكلّية والجزئية ، كانت الرؤيا غنيّة عن التعبير . وإن كانت ضعيفة المناسبة ، كما يقع بين الشيء وضدّه أو لازمه ، افتقر إلى التعبير . وإن لم تقع مناسبة كانت أضغاث أحلام .
وربّما رأى الإنسان تعبير رؤياه في رؤياه ، فيكون ذلك تذكّرا ؛ فإنّ القوّة المفكّرة كما تنتقل من الأصل إلى المحاكاة للمناسبة فقد تنتقل من المحاكاة إلى الأصل بسبب تلك المناسبة . وأكثر من يتّفق له ذلك من تكون همّته مشغولة بما رأى ، فإذا نام بقي الشغل به
الأسرار الخفية في العلوم العقلية — صفحة 391
مساهمون: العلامة الحلي
ص٣٩١