وثالثها : الوهم . وهو قوّة مرتّبة في التجويف الأوسط من الدماغ يحكم أحكاما جزئيّة ، ويدرك في المحسوسات معاني غير محسوسة جزئية .
قالوا : وهي من حيث إنّها تدرك المعاني الجزئية كانت مغايرة للنفس ، ومن حيث إنّها تدرك ما ليس بمحسوس ، لا تكون حسّا مشتركا ولا خيالا « 1 » .
ولا يخفى ضعف هذا الكلام .
قالوا : وهذه القوّة هي الرئيسة الحاكمة في الحيوان حكما ليس فصلا كالحكم العقلي ؛ بل حكما تخيّليّا مقرونا بالجزئية وبالصورة الحسّية ، وعنه تصدر أكثر الأفعال الحيوانية « 2 » .
ورابعها : المتخيّلة . وهي قوّة مرتّبة في الجزء الأوّل من التجويف الأوسط لها أن تركّب وتفصل بعض المعاني من بعض ، وتركّب أيضا الصورة الحسّية مع المعاني وتفصّلها ، وتسمّى عند استعمال العقل مفكّرة وعند استعمال الوهم متخيّلة .
قيل « 3 » على هذا : هذه القوّة إن كان لها إدراك ، كان الشيء الواحد مدركا ومتصرّفا معا ، وإلّا بطل القول بأنّ القاضي على الشيئين لا بدّ وأن يحضره المقضيّ عليهما . ولأنّ استخدام الوهم لها تصرّف فيها ، فالوهم مدرك ومتصرّف معا « 4 » .
أجاب بعض المحقّقين « 5 » عن الأوّل : بأن هذه غير مدركة ، وتصرّفها في شيئين يقتضي الحضور لا الإدراك .
وعن الثاني : أنّ الشيء الواحد يمكن أن يكون مدركا ومتصرّفا من وجهين مختلفين أحدهما بحسب ذاته ، والآخر بحسب آلة أو كلاهما بحسب آلتين « 6 » .
وقد اعترض على إثبات القوّة ، فقيل : هذه القوّة إذا لم تكن مدركة كيف تركّب
هامش
( 1 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 162 ، كتاب النفس ؛ « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 341 و 345 ، « شرح المقاصد » 3 : 292 .
( 2 ) . في هامش « ت » قوله : « هي الرئيسة » إلى قوله : « الأفعال الحيوانية » حكاية قول الشيخ في الشفاء . راجع « الشفاء » ، الطبيعيّات 2 : 165 ، كتاب النفس .
( 3 ) . في هامش « ت » : قائله الفخر الرازي .
( 4 ) . « المباحث المشرقيّة » 2 : 345 .
( 5 ) . في هامش « ت » : أراد به الحكيم المحقّق الطوسي .
( 6 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 346 .