وعلى الثالث : أنّ مشاهدة ما ليس في الخارج سفسطة « 1 » .
أجاب بعض المحقّقين « 2 » عن الأوّل : بأنّ المدرك لهما هو النفس الناطقة لكن لأحدهما بآلة وللآخر بغير آلة .
وعن الثاني : أنّ بقاء التشكّل السابق عند حصول التشكّل بعده يقتضي الخلاء ؛ فإنّ التشكّل إنّما يحدث في الهواء لنهاياته المحيطة بالجسم المتحرّك فيه ، وبقاء النهايات بحالها بعد خروج المتحرّك عنها يقتضي إحاطة النهايات بالخلاء .
وأمّا تجويز الارتسام في البصر ، فإنّه محال ؛ لأنّه مع القول بمشاهدة ما ليس في الخارج قول بمشاهدة ما لا يقابل البصر ، ولا يكون في حكم المقابل .
وعن الثالث : أنّ إنكار مشاهدة النائم والمرضى سفسطة . أمّا إثبات قوّة للإنسان يدرك بها الأشياء بعد الغيبة فإنّه غير مستبعد فضلا عن أن يكون محالا « 3 » .
أقول : على الأوّل إذا جاز أن يكون الحاكم هو النفس من غير افتقار إلى آلة في الأمر الكلّي ، جاز أن يكون الحاكم ها هنا هو النفس مع افتقار إلى آلتين إحداهما آلة الذوق والأخرى آلة البصر ؛ فإنّه مع حصول هاتين الآلتين يمكن الحكم من النفس أنّ صاحب هذا اللون هو صاحب هذا الطعم .
فإن قلت : قد يحكم بأنّ صاحب هذا اللون هو صاحب هذا الطعم من غير إدراك الطعم في الحال ، والذوق لا يبقى فيه ما يدركه بعد المفارقة .
قلت : يكفي في هذا إثبات قوّة - هي الخيال - حافظة للمدركات بعد الغيبوبة .
وعلى الثاني : أنّ لمانع أن يمنع كون الشكل إنّما حصل بسبب الإحاطة « 4 » ، وأنّها تزول « 5 » بعد زوالها . وأمّا ما ألزمه في ارتسام البصر بأنّه إدراك لما لا يكون في الخارج ، ولا يكون مقابلا ، ولا في حكم المقابل ، فهو مشترك بين الأمرين .
هامش
( 1 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 334 و 339 نقلا عن الفخر الرازيّ .
( 2 ) . في هامش « ت » : أراد ببعض المحققين نصير الدين الطوسيّ .
( 3 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 334 و 339 .
( 4 ) . في هامش « ت » : منع كون الشكل حاصلا بسبب الإحاطة قد يحسب من المكابرة .
( 5 ) . في هامش « ت » : قوله : « وأنّها تزول » جواب ثان أي : الإحاطة تزول بعد زوال النقط فلا يلزم إحاطة النهايات بالخلاء .