وثانيها : الخيال . وهي قوّة مرتّبة في آخر التجويف الأوّل يجتمع فيها مثل المحسوسات بعد الغيبوبة حافظة لها ، وهي خزانة الحسّ المشترك .
واستدلّوا على مغايرته للحسّ المشترك : بأنّه حافظ ، والحسّ قابل ، وهما متغايران ، كما في الماء .
ولأنّ القبول والحفظ لو صدرا عن قوّة واحدة ، لصدر عن الواحد أكثر من واحد .
وأيضا الفرق حاصل بين حصول الصورة ، والذهول عنها ، والنسيان لها ؛ فالاستحضار هو حصول الصورة في القوّتين ، والذهول زوالها عن المدرك وانحفاظها في الخزانة ، والنسيان زوالها عنهما .
قيل « 1 » على الأوّل : إنّ تغاير قوّتي القبول والحفظ في صورة الماء لا يستدعي التغاير مطلقا ؛ فإنّ التمثيل غير مفيد .
وأمّا كون الواحد لو صدر عنه القبول والحفظ ، لصدر عن الواحد أكثر من واحد ، فمعارض بالحسّ المشترك المدرك لأشياء مختلفة وبالنفس الفاعلة لأفعال مختلفة .
وأيضا الخيال إذا كان حافظا ، وجب أن يقبل حتّى يمكنه الحفظ .
وعلى الثاني : إنّ تجويز الحصول في الحافظة حالة الذهول يقتضي القول بأنّ الإدراك ليس هو حصول الصورة في المدرك .
وعلى هذا التقدير جاز أن تحصل الصورة في الحسّ المشترك من غير الإدراك .
وأيضا القوّة العاقلة ليست لها حافظة مع حصول الأحوال الثلاث لها . فإن جعلتم الحافظ لها هو العقل الفعّال ، قلنا : فليكن هو حافظا للحسّ المشترك « 2 » .
أجاب بعض المحقّقين « 3 » عن الأوّل : بأنّ الماء لم يذكر على سبيل التمثيل ؛ بل برهانا على حكم جزئيّ مناقض للحكم الكلّي بأنّ القابل هو الحافظ .
وصورته « 4 » : الماء قابل ، الماء ليس بحافظ ؛ فبعض القابل ليس بحافظ . وهو يدلّ
هامش
( 1 ) . في هامش « ت » : قائله الفخر الرازي . انظر « المباحث المشرقيّة » 2 : 339 .
( 2 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 335 نقلا عن الفخر الرازيّ .
( 3 ) . في هامش « ت » : وهو نصير الدين الطوسي . انظر : « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 338 .
( 4 ) . أي : صورة البرهان . وفي « ت » : وصورته من الشكل الثالث .