وأيضا كان يجب أن لا يرى البعيد على بعده ، والصغير على صغره .
والحقّ عندنا أنّ البصر إذا قابل المرئيّ مع شروط الإدراك ، حصل الإدراك للنفس ، فالمقابلة سبب معدّ لا سبب الانطباع ولا بخروج الشعاع .
[ 62 ] سرّ
زعم بعض القائلين بالانطباع أنّه تنطبع في المرآة صورة المحاذي ثمّ تنطبع من تلك الصورة صورة أخرى في العين .
وأصحاب الشعاع قالوا : يخرج الشعاع من العين إلى المرآة ، وينعكس - لصقالتها - إلى الوجه فيصير الوجه مرئيّا « 1 » .
والقولان باطلان ؛ لما مرّ مع زيادة بيان :
أمّا بطلان الأوّل : فلأنّ الانطباع لا بدّ وأن يكون في موضع معيّن ، وحينئذ يستحيل تغيّره لانتقال ثالث .
وأمّا بطلان الثاني : فلأنّ انعكاس الشعاع عن المرآة ، إما لصلابتها أو لملاستها أو لهما .
والأوّل والثالث باطلان بالماء .
والثاني أيضا باطل ؛ لأنّه إمّا أن يعتبر في ذلك ، السطح الكبير المتّصل الأجزاء ، وهو باطل ؛ لأنّ الشعاع الخارج عن العين يكون عند الخروج في غاية صغر الأجزاء ، ويلاقي طرف كلّ خطّ منه جزءا مساويا له ، وينعكس عنه ، ولا يقع له فيما يزيد عليه .
أو لا يعتبر كبير السطح ، فكان يجب الانعكاس عن السطوح الخشنة ؛ لأنّ سبب الخشونة الزاوية ، ولا بدّ في الزوايا من سطوح ملس ، وإلّا لذهبت الزوايا إلى غير النهاية .
[ 63 ] سرّ
خرّج القائلون بالانطباع رؤية الشيء الواحد شيئين على أسباب :
أحدهما : أنّ الآلة المؤدّية للشبح الذي في الجليدية إلى ملتقى العصبين يعرض لها اتّصال فلا يتقاطعان ؛ بل يؤدّي كلّ واحد منهما شبحا على حدّة ، والإدراك إنّما هو عند
هامش
( 1 ) . « المباحث المشرقية » 2 : 299 ؛ « مقاصد الفلاسفة » : 352 .