الثالث : أنّ المبصر يرد صورته على البصر ، فتنطبع فيه « 1 » .
وهذه المذاهب عندنا باطلة .
أمّا الأوّل : فلأنّ الخارج من العين إمّا أن يكون عرضا ، وهو محال ؛ لاستحالة انتقال الأعراض ، وإمّا أن يكون جسما ، فيلزم أن يخرج من العين جسم يتّصل بكرة الثوابت .
ولأنّه لو كان جسما ، لزم التداخل .
ولأنّ الخارج من العين في غاية اللطافة ، فيجب تشوّشه عند هبوب الرياح ، فيرى الإنسان ما لا يقابله دون مقابله .
ولأنّنا ننظر إلى الأرض من تحت الماء الصافي ، فيجب أن يكون ثمّة خلاء يداخله الشعاع « 2 » .
قال بعض المحقّقين : هذا ينتقض بأشعّة الكواكب النيّرة « 3 » .
وهذا ليس بصحيح ؛ لأنّا لا نقول : إنّ الشعاع ينحدر من تلك الكواكب حتّى يلاقي الأجسام السفلية ؛ بل محاذاة النيّر بجسم كثيف سبب معدّ لحصول الشعاع في ذلك الجسم الكثيف ؛ لا بانتقال من النيّر إليه .
وأمّا الثاني : فلأنّ الإبصار لو توقّف على الإحالة ، لكان الإبصار مع المشاركة أتمّ منه مع الانفراد ؛ ضرورة ازدياد الإحالة في صورة الاشتراك ؛ ولأنّ عين العصفور كيف يعقل خروج نور منها يقتضي إحالة الهواء العظيم ؟
وأمّا الثالث : فلأنّه يقتضي انطباع العظيم في الصغير ، وهو محال .
وأجابوا عنه : بأنّه قد ينطبع العظيم في الصغير كما في المرآة « 4 » .
وهذا ليس بصحيح ؛ لأنّ العظيم لا ينطبع مع عظمه في الصغير ؛ بل تنطبع صورة مساوية له في الشكل دون المقدار ، ولا يمكنهم القول ها هنا بمثل ذلك ؛ لأنّ البصر يدرك العظيم على عظّمه والصغير على صغره .
هامش
( 1 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 102 ، كتاب النفس ؛ « شرح الهداية الأثيرية » للميبدي : 133 ؛ « المباحث المشرقيّة » 2 :
299 ؛ « شرح المقاصد » 3 : 278 ؛ « إيضاح المقاصد » : 376 ؛ « كشف المراد » : 149 .
( 2 ) . « التحصيل » : 759 ؛ « شرح المقاصد » 3 : 383 ؛ « إيضاح المقاصد » : 377 .
( 3 ) . هو المحقّق الطوسي ( قدّس سرّه ) ، راجع « تلخيص المحصّل » : 173 .
( 4 ) . « إيضاح المقاصد » : 378 ؛ « شرح المقاصد » 3 : 279 .