وليس مطلق القلع والقرع سببا لحدوث الصوت ؛ بل إنّما يكون سببا له إذا حصل بعنف .
وفي المشهور أنّ الإحساس السمعيّ يتوقّف على وصول الهواء الحامل له إلى الصماخ ؛ لأنّ صوت المؤذّن يميل من جانب إلى آخر عند ميل الرياح إليه ، ولأنّ البعيد يرى ضرب خشبة على أخرى قبل سماع الصوت .
وجماعة من المتأخّرين منعوا من ذلك ؛ فإنّ الصوت قد يسمع من وراء الجدار مع استحالة بقائه على الشكل عند نفوذ الهواء الحامل له فيه « 1 » .
واعلم أنّ الصوت ثابت في الخارج ؛ لأنّا إذا سمعناه أدركنا جهته ، ولو كان الإدراك إنّما هو حال وصوله إلى الصماخ ، لم تدرك جهته كالملموس .
وأمّا الصدى « 2 » فإنّه يحدث من تموّج يوجبه ؛ فإنّ هذا التموّج إذا قاومه جسم - كجبل أو جدار - لزم أن يتموّج الهواء الحاصل من هذا الهواء ، وانحدر إلى مكان الأوّل ، فيحدث الصوت الذي هو الصدى .
وهو تابع لكلّ صوت ، لكنّه قد لا يسمع ؛ لانتشاره كما في الصحاري ، أو لقرب زماني التموّجين ، فيحسّ بهما كالصوت الواحد كما في الدور ، ولهذا يسمع الصوت فيها ارفع ممّا يسمع في الصحراء .
وأمّا الحرف ، فإنّه هيئة عارضة للصوت يتميّز بها عن صوت آخر مثله في الحدّة والثقل تميّزا في المسموع .
ومنه مصوّت وهي حروف المدّ واللّين ، وصوامت وهي ما عداها .
الخامسة : الإبصار ، وللناس فيه ثلاثة مذاهب :
الأوّل : أنّ الإبصار إنّما يكون بخروج شعاع من العين على شكل مخروط زاويته عند البصر ، وقاعدته عند سطح المبصر .
الثاني : أنّ الشعاع لا يخرج من العين لكن يكيّفه الهواء بكيفية ، فيصير الهواء هو الآلة في الإبصار .
هامش
( 1 ) . انظر « المباحث المشرقيّة » 2 : 295 - 298 ؛ « شرح المواقف » 5 : 262 .
( 2 ) . الصدى : ما يردّه الجبل أو غيره إلى المصوّت مثل صوته .