المزاج ، فلا بدّ من قوّة سارية فيه يدرك بها المنافي ليحترز عنه ، فإذن كلّ من له هذه القوّة فإنّ له قوّة التحريك ، فكلّ حسّاس متحرّك بالإرادة .
وربما قيل : إنّ هذه القوّة ليست قوّة واحدة بل هي جنس لأربع قوى : الحاكمة بين الحارّ والبارد ، والحاكمة بين الرطب واليابس ، والحاكمة بين الصلب والليّن ، والحاكمة بين الأملس والخشن « 1 » .
ونحن ربّما نتوقّف في هذا .
واعلم أنّ الحامل للقوّة اللمسية هو الواسطة ، فهي خالية عن جميع الكيفيات حتّى تقع التأدية عليه ، فالأقرب إلى الاعتدال أشدّ لمسا ، والبسائط لا اعتدال فيها ، فلا إمكان لحصول حاسّة لمس لها فلا حياة لها ؛ ولأنّها إذا ردّت أجزاؤها إلى أصغر الأجزاء لا يقع لها إدراك بذلك البعض ، فليس لأجزائها جامع إدراكيّ ، فلا حياة لها .
على أنّ بعضهم جعل البسائط العنصريّة إحساسات ؛ مستدلّا بطلب بعضها ما يساويه في الطبع ، كما يطلب الحيوان الملائم « 2 » .
وهذا في غاية الضعف .
الثانية : الذوقية ، وهو يتلو اللمس في الفائدة ؛ فإنّ الحيوان لا بدّ له من قوّة يدرك بها النافع ليستجلبه لكنّ اللمس أقدم ؛ فإنّ دفع الضرر سابق على جلب النفع .
ولا بدّ فيه من الملامسة وهي غير كافية ؛ بل لا بدّ من متوسّط هو الرطوبة اللعابية العذبة وهي عديمة الطعم لتؤدّيه كما هو .
وقد يتركّب من الطعم واللمس إدراك لا يبين تغايره للحسّ كالحرافة « 3 » ؛ فإنّها تفرّق وتسخّن ، وينفعل عنها سطح الفم انفعالا لمسيّا ، ولها أثر ذوقيّ ، ولا يتميّز إدراكها .
الثالثة : الشمّ ، ولا يحتاج إلى الملامسة من ذي الرائحة ، وإلّا لكان في زمان يسير يتحلّل من المسك وغيره من البخار ما ينتشر في بيت كبير بحيث يجده الشامّون في كلّ جزء من أجزاء البيت .
هامش
( 1 ) . « المباحث المشرقيّة » 2 : 292 ؛ « شرح المقاصد » 3 : 270 ؛ وانظر كلام المصنّف في « كشف المراد » : 147 .
( 2 ) . « المباحث المشرقيّة » 2 : 292 .
( 3 ) . الحرافة : طعم يلذع اللسان بحرارته .