فإنّ أجزاءه الأصلية قد جفّت ، وتصلّبت فلا يقوى الغذاء على تفريقها ، فلا يتحقّق النموّ ؛ فإنّ النموّ إنّما يكون لنفوذ الأجزاء الغذائية في المنافذ المستجذبة مع تشبّهها بالأصل .
ويورد ها هنا سؤال وهو : أنّ النامي إمّا أن يبقى منه شيء ثابت أو لا .
فإن كان الأوّل ، فالثابت إمّا صورة وهو محال ؛ لاستحالة بقاء الصورة مع الانفصال .
وإمّا المادّة وهو محال ؛ لأنّه إن كان الباقي كلّ المادّة ، لزم بقاء البدن مدّة العمر ، وهو محال ، وإن كان بعضها ، لزم ترجيح بعضها بالبقاء والبعض بالتغيّر من غير مرجّح ، وهو محال .
وإن كان الثاني ، لزم أن يكون البدن حادثا في كلّ وقت ، وهو محال .
وأجيب عنه : بأنّ المتحلّل في أوّل الأمر إنّما هو اللطيف وأمّا الكثيف فإنّه لا يتحلّل ، ويتحلّل القليل منه ، ويبقى على الاستمرار ما يستحفظ القوى والصور الواجبة « 1 » .
وهذا لا يخلو من نظر .
وأمّا المولّدة فهي : التي تفصل جزءا من فضل الهضم الأخير للمغتذي ، وتودعه قوّة من جنسه .
قالوا : ومن شأنها تخليق المنيّ ، وتطبيعه ، وإفادة أجزائه هيئات تناسبها ممّا يصلح لمبدئيّة شخص آخر من نوعه « 2 » .
وهذا ممّا يجزم ببطلانه ؛ فإنّ القوى الطبيعية يستحيل أن تصدر عنها آثار مختلفة .
المبحث الرابع : في القوى الحيوانيّة
وهي قوّتان : قوّة إدراك ، وقوّة تحريك .
وإدراك الحيوان قد يكون بحواسّ ظاهرة ، وقد يكون بقوى باطنة .
وفي المشهور أنّ الحواسّ الظاهرة خمس :
[ الأولى ] : القوّة اللمسية ، وفائدتها إدراك المنافي من الملاقي الخارج ؛ فإنّ الحيوان لمّا كان مركّبا من العناصر ، كان بقاؤه على الصحّة ببقائها ، فإذا استولى أحدها ، فسد
هامش
( 1 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 142 ، الكون والفساد .
( 2 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 304 .