وقيل : الهاضمة هي : التي تحيل ما جذبته إلى قوام متهيّء لأن تجعله الغاذية جزءا بالفعل للمغتذي « 1 » .
والفرق بين الهاضمة والغاذية أنّ الجاذبة إذا جذبت شيئا من الدم وأمسكته الماسكة ، حصل له من الطبخ ما لأجله تستعدّ الصورة الدمويّة في الانتقاص ، والعضوية في الازدياد إلى أن ينتهي الاستعداد ببطلان الصورة الأولى ، وحدوث الصورة الأخيرة .
فهنا حالتان :
إحداهما : الاستعداد لزيادة إحدى الصورتين ونقصان الأخرى ، وهذا فعل الهاضمة .
والثانية : حدوث إحدى الصورتين وفساد الأخرى ، وهو فعل الغاذية .
وهذا فرق ما بين غاذية كلّ عضو وهاضمته .
ونقل عن جالينوس : أنّ الهاضمة هي الغاذية « 2 » .
والدافعة للثفل « 3 » .
قالوا : وهذه الأربعة متغايرة ؛ لأنّ القوّة الواحدة لا تكون مبدأ لأفعال مختلفة ، ولأنّ العضو الواحد يكون ضعيفا في أحدها قويّا في الآخر .
وهاتان ضعيفتان ؛ لجواز تعدّد الآثار لتعدّد الشرائط ، وضعف القوّة لاختلاف الشرائط .
واعلم أنّ الغذاء يقال للذي يقوم بدل ما يتحلّل عن الشيء بالاستحالة إلى نوعه ، ويقال للذي يمكن أن يصير غذاء كالحنطة ، ويقال لما استحال إلى جوهر المغتذي بالفعل قبل الالتصاق ، ويقال لما صار من المغتذي جزأ بالفعل وشبيها به .
ولمّا كان الحيوان مركّبا ، استحال أن يكون غذاؤه بسيطا ؛ لأنّه لا يشبه البسيط .
وفيه نظر ؛ فإنّه لمّا جاز أن يكون لبعض القوى تأثير في استحالة الغذاء ولبسه صورة ، جاز أن يفعل ذلك في البسيط كما أنّ النبات يجذب الماء ، ويصيّره جزءا منه .
هامش
( 1 ) . « المباحث المشرقيّة » 2 : 263 ونسب هذا القول إلى الشيخ الرئيس ؛ « إيضاح المقاصد » : 372 .
( 2 ) . نقله الفخر الرازي في « المباحث المشرقيّة » 2 : 264 عن كتاب « منافع الأعضاء » لجالينوس ، ويقع في سبع عشرة مقالة .
( 3 ) . « المباحث المشرقيّة » 2 : 262 ؛ « إيضاح المقاصد » : 372 .