تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الأسرار الخفية في العلوم العقلية — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
وقيل : الهاضمة هي : التي تحيل ما جذبته إلى قوام متهيّء لأن تجعله الغاذية جزءا بالفعل للمغتذي « 1 » . والفرق بين الهاضمة والغاذية أنّ الجاذبة إذا جذبت شيئا من الدم وأمسكته الماسكة ، حصل له من الطبخ ما لأجله تستعدّ الصورة الدمويّة في الانتقاص ، والعضوية في الازدياد إلى أن ينتهي الاستعداد ببطلان الصورة الأولى ، وحدوث الصورة الأخيرة . فهنا حالتان : إحداهما : الاستعداد لزيادة إحدى الصورتين ونقصان الأخرى ، وهذا فعل الهاضمة . والثانية : حدوث إحدى الصورتين وفساد الأخرى ، وهو فعل الغاذية . وهذا فرق ما بين غاذية كلّ عضو وهاضمته . ونقل عن جالينوس : أنّ الهاضمة هي الغاذية « 2 » . والدافعة للثفل « 3 » . قالوا : وهذه الأربعة متغايرة ؛ لأنّ القوّة الواحدة لا تكون مبدأ لأفعال مختلفة ، ولأنّ العضو الواحد يكون ضعيفا في أحدها قويّا في الآخر . وهاتان ضعيفتان ؛ لجواز تعدّد الآثار لتعدّد الشرائط ، وضعف القوّة لاختلاف الشرائط . واعلم أنّ الغذاء يقال للذي يقوم بدل ما يتحلّل عن الشيء بالاستحالة إلى نوعه ، ويقال للذي يمكن أن يصير غذاء كالحنطة ، ويقال لما استحال إلى جوهر المغتذي بالفعل قبل الالتصاق ، ويقال لما صار من المغتذي جزأ بالفعل وشبيها به . ولمّا كان الحيوان مركّبا ، استحال أن يكون غذاؤه بسيطا ؛ لأنّه لا يشبه البسيط . وفيه نظر ؛ فإنّه لمّا جاز أن يكون لبعض القوى تأثير في استحالة الغذاء ولبسه صورة ، جاز أن يفعل ذلك في البسيط كما أنّ النبات يجذب الماء ، ويصيّره جزءا منه .
هامش
( 1 ) . « المباحث المشرقيّة » 2 : 263 ونسب هذا القول إلى الشيخ الرئيس ؛ « إيضاح المقاصد » : 372 . ( 2 ) . نقله الفخر الرازي في « المباحث المشرقيّة » 2 : 264 عن كتاب « منافع الأعضاء » لجالينوس ، ويقع في سبع عشرة مقالة . ( 3 ) . « المباحث المشرقيّة » 2 : 262 ؛ « إيضاح المقاصد » : 372 .