وأمّا الثانية : فإنّا نقول : قد بيّنّا معنى الاشتراك في الصورة المعقولة وهو لا يقتضي التجرّد .
وأمّا الثالثة : فإنّه عائد عليكم على تقدير التجرّد ؛ وذلك لأنّ إدراك النفس لهذه الآلات ليس لانطباع صورتها في النفس ؛ فإنّ المجرّد لا يرتسم فيه الأمر المادّي ، بل لحصول صورة الآلة في مادّتها أو لحصول صورة أخرى في المادّة .
وعلى التقديرين يلزم ما ذكرتم .
وجوابكم عن هذا هو جوابنا بعينه عمّا قلتم .
وأيضا ينتقض هذا بلوازم النفس وصفاتها ؛ فإنّها يجب أن تكون معقولة أبدا أو غير متعقّلة أبدا .
وأجاب عن هذا بعض المحقّقين : بأنّ صفات النفس ، منها : ما يجب لذاتها ككونها مدركة لذاتها . ومنها : ما يجب بالمقايسة بالغير ككونها مجرّدة عن المادّة . فالنفس متعقّلة للصنف الأوّل دائما دون الصنف الثاني ؛ لافتقارها في التعقّل إلى أمر زائد على ذاتها « 1 » .
وأقول : النفس قد تغفل عن إدراكها لذاتها ، وإلّا لوجب ترتّب أمور متسلسلة دفعة واحدة في النفس ، وهو محال .
وأيضا فإنّ الصورة إذا حصلت في الآلة ، لم يلزم اجتماع مثلين في محلّ واحد ؛ لأنّ أحد المحلّين هو الآلة ، والثاني هو المادّة .
أجاب عن هذا بعض المحقّقين : بأنّ المحال عائد بعينه ها هنا ؛ فإنّ اقتران أحد المقترنين بشيء يجب فيه اقتران الآخر به « 2 » .
على أنّا نقول : هذا يتوقّف على استدعاء التعقّل حصول صورة المعقول في العاقل .
ومع تسليمه نقول : الصورة الذهنية لا شكّ في أنّها مغايرة للصورة الخارجية ؛ فإنّ إحداهما عرض ، والأخرى جوهر ، وعلى تقدير أن يكونا عرضين يكون أحدهما عرضا ذهنيا والآخر خارجيا يصدر عنه ما يستحيل صدوره عن الأوّل ، فالمشاركة بينهما ليست حقيقيّة ، وعلى هذا التقدير جاز أن تحلّ الصورة الذهنية فيما تحلّ فيه الصورة
هامش
( 1 و 2 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 284 .