وإذا أرادوا تمييز الفلكية ، أضافوا إلى قولهم : « كمال أوّل لجسم طبيعيّ » قولهم :
« ذي إدراك وحركة يتبعان تعقّلا كلّيّا حاصلا بالفعل » .
واعلم أنّ وجود النفس من الأمور الضرورية ، وإنّما تفتقر إلى البحث والكلام في ماهيّتها وصفاتها المشتركة والخاصّة .
المبحث الثاني : في ماهيّة النفس
ذهب قوم إلى أنّ النفس جسم حالّ في البدن ، وهو أجزاء أصليّة فيه « 1 » .
وذهب آخرون إلى أنّه جوهر ليس بجسم ولا جسماني « 2 » .
والأوّل قول الجمهور من المتكلّمين .
والثاني قول الجمهور من الحكماء .
وللناس اختلافات كثيرة في ماهيتها « 3 » . وأقربها إلى الحقّ هذان .
أمّا الأوّلون فقد استدلّوا بوجهين :
أحدهما : علم كلّ أحد بذاته مع عدم علمه بالجوهر المجرّد . والمعلوم مغاير للمجهول ؛ فذات كلّ عاقل غير هذا الجوهر .
والثاني : أنّ مدرك الجزئيات جسم - على ما يذهب إليه الحكماء - فالمدرك للكلّيات جسم « 4 » .
بيان الملازمة : أنّا نحكم على « زيد » أنّه إنسان ، والحاكم على الشيئين مدرك لهما ؛ فالنفس مدركة للكلّيّات والجزئيات ، ومدرك الجزئيات جسم ، فمدرك الكلّيّات جسم « 5 » .
هامش
( 1 ) . « المباحث المشرقيّة » 2 : 359 و 389 ؛ « شرح المقاصد » 3 : 304 ؛ « تلخيص المحصّل » : 378 .
( 2 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 14 ، كتاب النفس ؛ « درّة التاج » : 690 ؛ « كشف المراد » : 138 ؛ « الملل والنحل » 2 : 222 .
( 3 ) . لمعرفة خلاف الفلاسفة والمتكلّمين في تحديد ماهيّة النفس ، راجع « المباحث المشرقيّة » 2 : 235 - 236 تعليقة المحقّق البغدادي .
( 4 ) . والمقدمة الأخرى مطويّة وهي أنّ مدرك جميع المدركات أمر واحد . فيلزم أن تكون النفس التي تدرك الكلّيات أيضا جسما . وهنا تقرير آخر أشير إليه في بيان الملازمة وهو أن يقال : النفس مدركة للجزئيات وكلّ مدرك للجزئي فهو جسم فالنفس جسم وعليه فما أفيد في « بيان الملازمة » هو إثبات الصغرى . فافهم .
( 5 ) . « المباحث المشرقيّة » 2 : 389 ؛ « المطالب العالية » 7 : 51 ؛ « شرح المقاصد » 3 : 304 .