ومن الكمال ما هو أوّل وما هو ثان ، فالكمال الأوّل هو : الذي يقتضي التمييز النوعيّ ، والكمال الثاني هو : الذي يلحق التمييز .
إذا عرفت هذا ، فنقول : عرّفوا النفس بأنّها كمال أوّل لجسم طبيعيّ « 1 » .
ولم يعرّفوها بأنّها قوّة ؛ فإنّ القوّة تقع بالاشتراك على القوّة الفعلية والانفعالية ، واللفظ المشترك يحترز عنه في التعريفات .
ولم يعرّفوها بأنّها صورة ؛ فإنّ النفس الإنسانية والفلكيّة عندهم غير حالّة في البدن ، فلا تكون صورة فيه .
وقيّدوا « الكمال » بالأوّل ؛ لأنّ التمييز يقع بالنفس . والجسم ها هنا بمعنى الجنس لا المادّة ، وقيّد بالطبيعي لتخرج الصور الصناعية ؛ فإنّها كمالات أول لجسم لكنّه غير طبيعي بل صناعي كالسرير « 2 » .
وهذا المعنى مشترك بين النفوس الفلكية والعنصرية ، وليس بجنس لهما ؛ فإنّ هذا التعريف إنّما هو باللوازم .
فإذا أرادوا تمييز النفس الأرضية عن الفلكيّة ، أضافوا إلى هذا بعد قولهم : « طبيعيّ » قولهم : « آليّ ذي حياة بالقوّة » يعنون به كونه ذا آلات يصدر عنه بتوسّطها أو بغير توسّطها أفاعيل الحياة كالتغذّي والنموّ . ويصير هذا المعنى متناولا للنفوس النباتية والحيوانية والإنسانية .
وإن أرادوا تمييز النباتية عن غيرها ، أضافوا إليه : « تصدر عنه أفعال مختلفة من غير قصد ولا اختيار » .
وإن أرادوا تمييز الحيوانية من غيرها ، أضافوا إليه : « تصدر عنه الأفعال المختلفة بواسطة القصد وتكون لها قدرة على الفعل والترك » .
وإن أرادوا تمييز الإنسانية ، أضافوا إليه : « يصدر عنها إدراك حقائق الموجودات على سبيل الفكرة والحدس » .
هامش
( 1 ) . انظر : « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 5 ، كتاب النفس وما بعدها ؛ « المباحث المشرقيّة » 2 : 234 وما بعدها .
( 2 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 5 ، كتاب النفس ؛ « النجاة » : 158 ؛ « شرح المقاصد » 3 : 298 ؛ « إيضاح المقاصد » : 367 .