من الكبير ، فإذا استولى البرد على الظاهر ، قلّ موضع تأثير المسخن فقوي فعله « 1 » .
وفي هذا الكلام : نظر ؛ فإنّ هذا لا يتأتّى في القوى الطبيعية ؛ فإنّها تنقسم بانقسام محالّها ، فإذا استولى البرد على الظاهر ، بطلت قوّته ، وتسخّن الباطن بقوّته من غير معاوقة قوّة الظاهر ؛ إذ هي قد بطلت .
[ 57 ] سرّ
إنّ الجسم كلّما زاد مقداره ، زادت كيفيته كالنار العظيمة إذا أدخل فيها حديدة ؛ فإنّها تحمى بسرعة ، وفي الصغيرة تسخّن ببطء أقلّ ، مع أنّ المجاور للحديدة - من النار - واحد . وكذلك الماء الكثير والصغير « 2 » إذا انغمس فيهما منغمس .
وللناس فيه رأيان :
أحدهما : أنّ الجسم تزداد كيفيّته بزيادة مقداره ؛ لأنّ الماء إذا جاور ماء آخر ، كان له برودة بطبيعته وبرودة أخرى بسبب مجاوره ، فإذا جاوره جسم حارّ انكسرت كيفيته بزيادة في نفسه . وهذا الرأي ممّا مال الشيخ إليه « 3 » .
ونقل عمّن تقدّمه اعتراضا على هذا ، فقال : لو كانت الزيادة في المقدار توجب الزيادة في الكيف ، لكان نسبة برد ماء البحر إلى برد ماء آخر كنسبة الماءين وليس كذلك ؛ فإنّ برد ماء البحر وإن كان شديدا إلّا أنّه لا يبلغ في الشدّة بحيث تبقى نسبته إلى نسبة مقدار الآخر .
وأجاب عنه : بأنّ هذا إنّما يجب لو ثبت أنّ النسبة الحاصلة في الأصل محفوظة في الزيادة ، وذلك غير معلوم « 4 » .
والثاني : رأي من يقول : إنّ الجسم المائيّ الكبير يتدارك بأجزائه البعيدة ما يحصل للقريبة من السخونة المستفادة من الجسم المنغمس فيه ، والجسم الصغير ليس له ما يفي بتدارك برودته الزائلة عن الأجزاء القريبة « 5 » .
هامش
( 1 ) . نفس المصدر : 213 .
( 2 ) . كذا في « م » و « ت » . والأولى : القليل .
( 3 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 217 ، الأفعال والانفعالات .
( 4 ) . نفس المصدر : 218 .
( 5 ) . نفس المصدر : 215 .