ومن المنسوب إلى المنفعلتين إمّا لليابس فكالابتلال والانتقاع والنشف والميعان ، وإمّا للرطب فكالجفاف .
[ 56 ] سرّ
ومن المحسوس : أنّه إذا اشتدّ حرّ على ظاهر بارد ، اشتدّ برد باطنه ، وبالعكس .
وهذا هو المسمّى بالتعاقب .
وللقدماء فيه رأيان :
أحدهما : أنّ الحرارة والبرودة يهرب كلّ منهما عن الآخر ، فإذا استولت إحداهما على الظاهر ، هربت الأخرى إلى الباطن ، وبالعكس كما يهرب الماء عن النار .
وهذا المذهب بطلانه ببطلان انتقال الأعراض .
الثاني : أنّ هذا إنّما يكون في جسم يسخن بسبب سريان جسم حارّ فيه أو يبرد بسبب سريان جسم بارد لطيف ، فإن كان الجسم حارّا ، فاستولى البرد على ظاهره ، ولم يتحلّل ، فازداد سخونة أو كان المستولي حرّا فجفّف الظاهر وكثفه ؛ فإنّ ذلك الجسم اللطيف لا يتحلّل بل يبقى داخلا محتقنا ، ويزداد لا محالة قوّة ؛ إذ لولا الاحتقان لكان يتحلّل « 1 » .
وهؤلاء لا يصدّقون بأمر القنى والآبار « 2 » . ويجعلون ذلك من أغاليط الحسّ كما يعرض لداخل الحمّام ؛ فإنّه يستسخن ما يقتضيه من ماء فاتر ، فإذا استحمّ ، استبرد ذلك الماء بعينه ؛ لأنّه في أوّل دخوله كان بارد البشرة ، فكان الماء بالقياس إليه حارّا ، ولمّا أقام سخنت بشرته حتّى غلبت سخونة الماء فأحسّ ببرده . وكذلك الآبار في الشتاء فإنّها أبرد من مياه القنى ، وفي الصيف أسخن « 3 » .
والشيخ أبطل هذا بأنّ المياه المذكورة قد أسخنت في الشتاء فأذابت الجمد في حال الملاقاة ، وفي الصيف لا تذيبه في الحال .
ثمّ إنّ الشيخ ذكر السبب فيه ، وهو أنّ القوّة الواحدة تفعل في الجسم الصغير أكثر
هامش
( 1 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 211 ، الأفعال والانفعالات ؛ « المباحث المشرقيّة » 2 : 173 .
( 2 ) . « القنى » جمع القناة : ما يحفر في الأرض ليجري فيه الماء . و « الآبار » جمع البئر .
( 3 ) . « الشفاء » الطبيعيّات : 212 ، الأفعال والانفعالات .