واعلم أنّ الماء يقتضي البرودة لطبعه ، فيقتضي الجمود . والميعان إنّما يحصل بسبب السخونة المستفادة من الشمس إذا قربت من سمت الرأس ؛ فإنّها تسخن الأراضي ، وتحصل بسبب ذلك سخونة الهواء ، فيسخن الماء .
وأمّا إذا بعدت الشمس من سمت الرأس كما في الشتاء ، لم تحصل السخونة للأرض فتبقى على طبيعتها وهي البرودة . وبرد الهواء المجاور لها والماء اقتضى الجمود .
[ 54 ] سرّ
أمّا الأرض فلا شكّ في يبوستها .
وأمّا البرودة فلأنّها كثيفة . وهل هي أزيد من برودة الماء ؟
فيه خلاف ، والأقرب إلى الحقّ ذلك . والحسّ لا يساعد على ما في نفس الأمر .
قالوا : والأجزاء الأصليّة للأرض غير متواصلة في الحقيقة ، بل هي متفاصلة بالفعل . وفي هذا نظر .
ولها ثلاث طبقات : طبقة أرض محضة وهي القريبة من المركز ، وطبقة طينية منكشفة قد حصل لها اليبوسة بسبب تأثير الشمس وهو البرّ ، وطبقة طينية أحاط بها الماء .
[ 55 ] سرّ
وممّا ذكروا هنا - من الأحكام المشتركة للعناصر - : كونها كريّة الشكل ؛ لأنّها بسائط ، والبسيط لا يحصل فيه اختلاف وضع لبعض الأجزاء عند بعض ، منبعث عن طباعه .
وكون الأرض ذات أغوار وأنجاد « 1 » لا يقدح في الكريّة ؛ إذ هي كعدسة « 2 » على ظاهر الكرة الحقيقية .
وممّا ذكروا أيضا : استحالة انقلاب كلّيّة عنصر إلى كلّيّة عنصر آخر ، وانقلاب الجميع إلى أجسام مغايرة لها .
وهذا من الأحكام التي لم يقم عليها برهان .
هامش
( 1 ) . « الغور » : ما انحدر واطمأنّ من الأرض . و « النجد » : ما أشرف من الأرض وارتفع .
( 2 ) . في « ت » : كنقطة .