قلنا : كيف تقتضي الطبيعة كيفيتين متنافرتين ؟ ! ثمّ كيف تكون الرطوبة - بمعنى رقّة القوام - مانعة من السخونة ؟ ! وقد مضى « 1 » في كلامنا ما يمكن أن يكون اعتراضا على هذا .
وأمّا كيفيّته الانفعالية فالرطوبة ، وهو أمر ضروري إذا فسّرت الرطوبة بمعنى سهولة قبول الأشكال لا بمعنى البلّة .
ونقل أنّ كرة النار لمّا كانت محيلة لما يلاقيها إلى طبقتها ، كانت طبقة واحدة ، وأمّا الهواء فله أربع طبقات .
الأولى : الطبقة التي تلي الأرض .
والثانية : الطبقة الباردة .
فأمّا القائلون بسخونة الهواء فإنّهم علّلوا برودة هذه الطبقة بارتقاء الأبخرة إليها .
وأمّا القائلون بأنّه لا يقتضي السخونة فقالوا : السبب فيه بعده من الأرض ؛ فإنّ القريب منها يتسخّن لمجاورته إيّاها .
والثالثة : الطبقة الصرفة من الهواء .
والرابعة : الطبقة التي يخالطها شيء من النار « 2 » .
[ 53 ] سرّ
الماء الذي هو أحد الأسطقسّات محيط بالأرباع الثلاثة من الأرض على سبيل الظنّ وهو ماء البحر ، وإلّا لكان إمّا فوق الأرض أو تحتها ، والثاني باطل ، وإلّا لكان عنصر الماء أصغر كثيرا من الأرض ، وأن يكون منشورا . وإن كان فوقها فهو البحر .
وسبب ملوحته اختلاط أجزائه المائية بالأجزاء الأرضيّة المرّة الطعم ، المحترقة ، ولا تستند الملوحة إلى ذاته ، وإلّا لكان كلّ ماء ملحا ، ولا إلى اختلاط الهواء به ؛ فإنّه يزيده عذوبة .
وقال بعض الأوائل : سبب ملوحة البحر كونه عرق الأرض « 3 » .
هامش
( 1 ) . في ص 340 وما بعدها .
( 2 ) . انظر « إيضاح المقاصد » : 350 و « كشف المراد » : 119 .
( 3 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 207 ، الأفعال والانفعالات ، ونسب هذا القول إلى « أنبادقلس » وهو فيلسوف يوناني ولد