والشيخ نسب هذه الكلام إلى الشعر ، وذكر له احتمالا من التأويل ، وهو أنّ العرق رطوبة من البدن تملّحت بما يخالطها من المادّة المنحرقة من البدن ، وماء البحر يملح بقريب من ذلك ، وغاية ملوحته عدم أجونه لئلّا يحدث بسبب الأجون الوباء العامّ .
ولملوحته وكثرة أرضيّته هو أكثر ثقلا من غيره من المياه .
ولمّا كانت جميع أجزاء الماء قابلة للاختلاط لم يكن ثمّة طبقات للماء « 1 » .
واختصاص البحر بموضع دون غيره ليس بواجب ، بل قد ينتقل من موضع إلى آخر في مدد متطاولة ؛ فإنّ استمداد البحار ، من الأنهار والعيون والسماء ، والنفع الكلّي إنّما هو من الأنهار ؛ فإنّ العيون قد تغور والسماء إنّما تكون في فصول معيّنة ، وكثيرا مّا تقحط .
ثمّ لا العيون ولا السماء ولا الأنهار تتشابه أحوالها في بقاع بأعيانها ، فربّما جفّت أودية وأنهار ، وتحصل عيون وأنهار من جهة أخرى ويلزم نضوب البحار لنضوب الأنهار .
واعلم أنّ البحر ساكن لطبيعته ، وإنّما يتحرّك ظاهره بسبب رياح تنبعث من قعره أو رياح تعصف في وجهه ، أو لمضيق يكون فيه ينضغط فيه الماء من الجوانب لثقله ، فيسيل مع أدنى تحرّك ، وقد يكون لاندفاع أودية فيه .
وكيفية الماء ، الفعليّة هي البرودة . وهذا ظاهر .
وكيفيّته الانفعالية هي الرطوبة بالتفسيرين .
وقد ذهب قوم إلى أنّ برودته أشدّ من برودة الأرض بناء على الإحساس « 2 » .
وهو ضعيف ؛ فإنّ الحسّ قد يدرك ما ليس ببالغ في كيفية مّا « 3 » بالغا فيها .
وأمّا في المشهور فإنّ الأرض أبرد ؛ لأنّها أكثف . ولأنّها أبعد من التأثيرات الفلكيّة كالحركة . وهذا الأخير ضعيف « 4 » .
هامش
نحو 492 قبل الميلاد في أغريغتنا - من أهمّ مدن العالم الأغريقي - وقيل : إنّه من تلامذة فيثاغورس - انظر « معجم الفلاسفة » : 88 و « الموسوعة الفلسفية » 1 : 226 .
( 1 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 207 ، الأفعال والانفعالات .
( 2 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 252 ؛ « المباحث المشرقيّة » 2 : 139 ؛ « إيضاح المقاصد » : 343 . وقد نسب هذا القول إلى قوم منهم : أبو البركات البغدادي صاحب كتاب « المعتبر في الحكمة » .
( 3 ) . في « ت » : كيفيته بالغا .
( 4 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 253 .