وقد ذهب قوم غير محقّقين إلى أنّ الحرارة صورة مقوّمة للنار « 1 » .
وهو خطأ ؛ فإنّ الصورة لا تشتدّ ولا تضعف ، والحرارة بالخلاف .
ولا نزاع في كون النار المجاورة لنا حارّة « 2 » ، وإنّما وقع الخلاف في النار المجاورة للفلك .
فاحتجّ المانعون : بأنّها لو كانت حارّة لأحرقت ما يجاورها ، ويلزم انقلاب العناصر نارا « 3 » .
وهذا ضعيف .
واحتجّ المثبتون : بأنّ طبيعتها تقتضي الحرارة ، والمادّة قابلة ؛ فوجب بلوغها الغاية فيها « 4 » .
ولأنّ النار التي عندنا مركّبة ممّا يجاورها من الأبخرة والأدخنة التي هي غير حارّة ؛ فيلزم أن يكون الخالي من المضادّ أقوى في الكيفيّة .
وأثبتوا للنار كيفية أخرى هي اليبوسة « 5 » ، فإن أرادوا بها ما لا يلتصق بالغير ، فالنار كذلك . وإن أريد بها ما يصعب تشكّله بالأشكال الغريبة ، فليس كما قالوا .
والنار البسيطة غير مرثيّة فإنّها لبساطتهما لا تكون ذات لون ؛ إذ اللون تابع للمزاج ، والنار المرثيّة ليست على حدّ صرافتها ، بل ممتزجة من النار والأجسام الأرضية ، ولهذا حيث تكون النار قويّة تكون شفّافة كما في أصول الشعل . ولأنّ النار لو كانت ملوّنة ، لمنعت عن إبصار الكواكب .
والنار المطفأة قد يكون سبب طفوئها شفّافيّتها بحيث تحيل كلّ ما يجاورها إلى طبيعتها ، فإذا شفّت حسب أنّها طفئت ، وهذا يكون في نار ذات قوّة .
وقد يحصل الانطفاء بسبب آخر وهو إحالتها إلى الهواء لأجل استيلاء البارد
هامش
( 1 ) . انظر : « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 252 ؛ « المعتبر في الحكمة » 2 : 151 .
( 2 ) . قال ابن سينا في كتاب الحدود ؛ إنّها كيفيّة فعليّة ، أي تجعل محلّها فاعلا لمثلها فيما يجاوره ؛ فإنّ النار تسخن ما يجاورها . انظر : « شرح المواقف » 5 : 175 .
( 3 ) . انظر « إيضاح المقاصد » : 345 .
( 4 ) . « المباحث المشرقيّة » 2 : 92 .
( 5 ) . انظر كتابي المصنّف : « إيضاح المقاصد » : 345 و « كشف المراد » : 119 .