وهذه الحجّة رديئة جدّا . ومع ذلك فإنّها لازمة عليهم أيضا ؛ لأنّ عندهم أنّ تلك النار إذا اختلطت بغيرها من العناصر ، يعرض لها ما يزيلها عن تلك الصورة النارية ، وتفيدها الصورة اللحمية ، فلا يبعد أن يحصل هذا العارض للنار الصرفة ، فإن شرطتم في هذا الحصول وجود التركيب ، كان لنا أن نقول بمثله .
والمشّاؤون اتّفقوا على بقاء تلك الطبائع ، وانكسار الكيفيات .
واحتجّوا بأمرين :
أحدهما : إنّه لو فسدت الصورة النارية ، لم يحصل المزاج ؛ فإنّ الامتزاج يستدعي بقاء الممتزجات .
الثاني : المشاهدة ؛ فإنّا إذا وضعنا المركّب في القرع والإنبيق « 1 » ، حصل جوهر مائي وكلس ، ولولا اختلاف الموجودات في المركّب حالة التركيب وإلّا « 2 » لما حصل الاختلاف عن الفاعل الواحد .
قالوا : ولو كان المنفعل ينفعل في صورته ، ويفعل في صورته ، لزم انقلاب المغلوب غالبا على تقدير تأخّر أثر البعض عن البعض ، أو حصول الغالبية والمغلوبية لشيء واحد في وقت واحد على تقدير المقارنة « 3 » .
فإن قالوا : فكذلك نقول في الكيفيات ؛ فإنّ كيفية كلّ واحد منها إذا كانت فاعلة في الأخرى ، ومنفعلة عن الأخرى ، لزم ما ألزمتمونا به .
أجابوا : بأنّ الكيفيات ليست هي الفاعلة ، وإنّما الفواعل هي الصور ، والمنفعل هي الكيفيات ، وحيث حصل التغاير بين الفاعل والمنفعل ، سقط ما ذكرتم « 4 » .
وها هنا سؤال وهو أن يقال : إنّكم تجعلون الحرارة والبرودة من الكيفيات الفعلية ، بمعنى أنّها تعدّ موضوعاتها لأن تكون « 5 » فاعلة في غيرها ، والصور إنّما تفعل بتوسّطها ،
هامش
( 1 ) . القرع : وعاء يستخدم في المختبرات الكيمياوية آنذاك ، والإنبيق أيضا وعاء يستخدم في التقطير .
( 2 ) . يشبه أن يسقط من هنا شيء ، أو تكون « إلّا » زائدة .
( 3 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 122 - 132 ، الكون والفساد ؛ « درّة التاج » : 647 .
( 4 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 276 .
( 5 ) . في « ت » : بمعنى أنّها بعد موضوعاتها لا تكون .