ويورد ها هنا سؤال آخر ، وهو أنّ برودة الماء لو اقتضت فساد الهواء المحيط بالإناء ، لفسد كلّ ذلك الهواء ، فيسيل ، ويتّصل به هواء آخر ، ويفسد إلى أن يجري جريانا صالحا .
وأجيب عنه : بأنّ جرم الإناء لصلابته يعسر تكيّفه بالكيفيات الغريبة ومع تكيّفه يشتدّ حفظه لها ، ولهذا توجد الأواني الرصاصيّة أشدّ في كيفياتها الغريبة من غيرها ، فالإناء لشدّة برده يحيل الهواء المحيط به ماء ، والماء لسرعة قبوله الكيفيات الغريبة يحيل الهواء - المطيف به ظاهره - عن برودته الشديدة سريعا ، فلا يفسد الهواء ما دام على سطح الإناء ماء ، أمّا إذا نحّي عنه واتّصل الهواء بالسطح عاد إلى فساده « 1 » .
وأيضا المحكوك والمخضخض يسخن من غير نار واردة عليه .
ولأنّ السخونة لو كانت بسبب النفوذ ، لكانت سخونة الماء في إناء متخلخل أشدّ من سخونته في إناء مستحصف « 2 » .
ولأنّ الإناء الملآن إذا شدّ رأسه ، لا يمتنع عن التسخّن البالغ ؛ فإذن قد ثبت إمكان الكون والفساد ، وإمكان الاستحالة ، لكنّ المشكل هو أنّ الاستحالة إنّما تكون على التدريج الحقيقي .
واعلم أنّ العناصر لمّا كانت أربعة ، كانت أنواع الكون والفساد على اثني عشر وجها ، وهي : أن تكوّن النار من الهواء - كما في النيران الحاصلة بإلحاح النفخ على الهواء المحتقن في كير « 3 » الحدّادين ، وبالعكس - كما في انطفائها ها هنا - وتكوّن الهواء من الماء بتبخّر الماء المسخن وبالعكس - كما في الكائن على أطراف الإناء المفروض وتكوّن الماء من الأرض - كما يفعله طلّاب الإكسير ؛ فإنّهم يصيّرونها أملاحا بالإحراق ، وما يجري مجراه ، ثمّ يذيبونها بالماء - وبالعكس - كما في الماء الذي ينعقد حجرا بعد خروجه من منابعه - وتكوّن الماء من البارد ، وبالعكس ، وتكوّن الهواء من الأرض ، وبالعكس ، وتكوّن النار من الأرض ، وبالعكس .
وهذه التكوّنات حاصلة بتكوّن سابق عليها ؛ فإنّ الأطراف لا يتكوّن بعضها من
هامش
( 1 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 260 .
( 2 ) . أي مستحكم .
( 3 ) . بكسر الكاف وسكون الياء : زقّ ينفخ فيه الحدّاد .