وأجيب : بأنّها لا تظهر ؛ لكونها مكسورة الكيفيّة للمزاج ، ولا يمكنهم أن يقولوا بمثله ؛ لأنّه يناقض مذهبهم « 1 » .
وأيضا فإنّ الظهور لا بدّ له من سبب فإن كان قوّة طبيعية ، وجب أن لا تبقى إلى وقت ، وكان الإحساس بحرارة الماء حاصلا أبدا .
وإن كان السبب خارجيا ، فهو إمّا جذب أو دفع ، إمّا مع مماسّة أو بدونها ، ولو كان مع مماسّة ، لوجب أن يكون كلّ كائن يزيد مقداره ؛ لنفوذ الجاذب أو الدافع . وإن كان لا عن مماسّة ، بل لأنّ النار الخارجة مجاورة للكائن فلم لا تقتضي الأجزاء الكامنة الخروج لمجاورة بعضها بعضا « 2 » ؟
والقول بالورود أيضا باطل ؛ فإنّ الإنسان قد يغضب فيسخن في بشرته ، والجسم يتحرّك فيسخن من غير ورود نار غريبة إليه .
وأيضا فإنّ أعظم الأجسام كبرا قد يحترق بمماسّة نار صغيرة إليه كالجبل من الكبريت إذا قربت إليه شعلة مصباح ثمّ أزيل عنه فإنّه يشتعل كلّه نارا .
وأيضا فإنّ الجسم إذا وضع على الجمد ، اجتمع على طرفه قطرات ماء مع استحالة صعود الماء إلى أطراف الكوز فإنّه لا يقتضي الصعود . ولا يمكن أن يقال : إنّ الماء ورد عليه من خارج ، وإلّا لكان إذا أزيل ذلك القطر المجتمع ، ثقل في المرّة الثانية ، أو يبطئ زمان اجتماعه فلم يبق ، إلّا أنّ الهواء المحيط بطرف الآنية يشتدّ برده ؛ لاشتداد برد الآنية فيكوّن ماء .
قيل على هذا : إنّ تبريد الإناء للهواء أعظم من تبريد الأراضي الجمدية إيّاه في صميم الشتاء ، بل في المواضع التي تستتر الشمس عنها ستّة أشهر ، وذلك يقتضي انقلاب الهواء ماء . ولأنّ بعد نزول الثلج يصير الهواء أبرد ويوم الصحو أبرد من يوم المطر ، فيستمرّ المطر والثلج إلى أن يتغيّر الفصل .
أجاب عن هذا بعض المحقّقين : بأنّه يجوز تخلّف الكون لموانع مجهولة وهو غير قادح في الكون « 3 » .
هامش
( 1 ) . « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 283 ، والاعتراض للفخر الرازي كما ذكره المحقّق الطوسي .
( 2 ) . « الشفاء » الطبيعيّات 2 : 106 - 108 ، الكون والفساد .
( 3 ) . هذا الاعتراض للفخر الرازي وجوابه للمحقّق الطوسي . انظر : « الإشارات والتنبيهات مع الشرح » 2 : 262 .